ساهمت الحرب الأمريكية الإيرانية في جذب الأنظار العالمية إلى القدرة الكبيرة التي أظهرتها سلاسل الإمداد الغذائي على الصمود في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية بالمنطقة، مما ساهم في زيادة تكاليف الخدمات اللوجستية. كما اختبرت تلك الأحداث كفاءة شركات الأغذية في إدارة المخاطر التشغيلية وتدفق السلع، في الوقت الذي يترقب فيه الأسواق الموسم الزراعي القادم باعتباره المحطة الأكثر حرجًا في الدورة الغذائية العالمية.
تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية للأغذية
رغم تسجيل تكاليف الشحن والخدمات اللوجستية للأغذية في الإمارات ارتفاعًا تجاوز ضعفي مستوياتها السابقة أثناء النزاع المسلح، إلا أن هذه الضغوط لم تؤدِ حتى الآن إلى شح الشحنات أو طفرة في أسعار المواد الأساسية. بل تسللت تدريجيًا إلى كلفة الإنتاج الزراعي، متأثرة بزيادة أسعار الطاقة والمخصبات مع اقتراب انطلاق موسم الزراعة الجديد، وفقًا لما أفاد به موقع «AGBI».
ومع استمرار اضطرابات الملاحة البحرية في إلقاء ظلالها على حركة التجارة، تتجه بوصلة الأسواق نحو أسعار مدخلات الإنتاج الزراعي بوصفها المحرك الأبرز لمعادلة التوازن بين العرض والطلب عالميًا خلال الفترة المقبلة. تأتي هذه التطورات وسط مساع حثيثة لتأمين استقرار التدفقات الغذائية والحد من تداعيات التوترات الجيوسياسية على الأسواق.
ثلاثية استراتيجية لتأمين الغذاء وتنويع الإمدادات
أكد أرنود فان دن بيرج، الرئيس التنفيذي لمجموعة «الظاهرة»، أن التطورات العسكرية الأخيرة أثبتت أهمية ثلاثة مرتكزات لتعزيز الأمن الغذائي في دول الخليج. هذه المرتكزات تشمل توسيع قاعدة الإنتاج المحلي قدر الإمكان، وتوظيف الاستثمارات في أصول زراعية خارج الحدود، بالإضافة إلى بناء شبكة علاقات تجارية متعددة الأطراف مع شريحة أكبر من الدول، وفقًا لتصريحاته لموقع «AGBI».
تكتسب هذه الرؤية أهمية كبيرة لبلدان الخليج التي تعتمد على الاستيراد لتغطية معظم احتياجاتها الاستهلاكية، مما يجعل تنويع الموردين ومسارات التوريد ركيزة جوهرية ضمن استراتيجيات إدارة مخاطر الأمن الغذائي مستقبلًا.
معركة الموانئ والمسارات
أوضح فان دن بيرج أن المجموعة استثمرت الخبرات التراكمية التي اكتسبتها خلال أزمة الملاحة بالبحر الأحمر بين عامي 2023 و2025، إلى جانب الدروس المستفادة من جائحة كورونا. تم ذلك من خلال بناء شبكات توريد أكثر مرونة وتنويع خيارات الشحن. ومع ذلك، فإن تلك الخطوات لم تمنع تمامًا ظهور بعض العقبات التشغيلية.
وأشار إلى أن «ميناء الفجيرة» شهد كثافة عالية في حركة تفريغ السفن المنتظرة لتحميل شحناتها. كما واجهت مؤسسات القطاع الغذائي شحًا في الطاقة الاستيعابية للشحن البري بسبب صعوبة توفير أسطول كافٍ من الشاحنات لنقل البضائع من الموانئ إلى منافذ البيع، مما أضاف ضغطًا جديدًا على سلسلة التوريد.
قفزات أسعار الوقود أثناء الحرب
تسببت قفزات أسعار الوقود أثناء الحرب في رفع فاتورة النقل والخدمات اللوجستية. ومع ذلك، يرى فان دن بيرج أن تلك التكاليف تبقى أقل حجمًا مقارنة بالضغوط المرتقبة على مستلزمات الإنتاج الزراعي خلال الدورة المقبلة.
فخ الأسمدة.. تحديات مدخلات الإنتاج تهدد موسم الزراعة المرتقب
يرى المسؤول التنفيذي لـ«الظاهرة» أن العقبة الكبرى لم تعد محصورة فقط في حركة الشحن والتفريغ، بل امتدت لتطال سوق الأسمدة. حيث تصدرت صادرات المنطقة حصة كبيرة من الاستهلاك العالمي.
بينما نجحت الكيانات الزراعية الكبرى مثل «الظاهرة» في احتواء صدمات البداية بفضل المخزونات الاستراتيجية والعقود الممتدة، بدأت صمامات الأمان هذه تتآكل مع استطالة أمد الضغوط على سلاسل التوريد.
قال: «لم نتأثر كليًا حتى الآن، لكن مع انطلاق موسم الزراعة في سبتمبر أو أكتوبر المقبلين، سيواجه الكثيرون ارتفاعًا قياسيًا في أسعار الأسمدة».
وأضاف أن الأشهر الأربعة الأخيرة شهدت نزف جزء كبير من السيولة النقدية لدى المزارعين عالميًا وسط تصاعد كلفة مدخلات الإنتاج. مما يضغط بقوة على هامش الربحية قبيل تدشين الدورة الزراعية الجديدة.
ثبات أسعار المستهلك يلتهم أرباح المنتجين
على الرغم من تصاعد تكاليف الإنتاج والشحن، ظلت أسعار السلع الغذائية مستقرة إلى حد كبير حتى الآن. حيث أشار فان دن بيرج إلى أن نحو 80% من حركة التجارة الغذائية العالمية تتمركز في سبع أو ثماني سلع استراتيجية مثل القمح والأرز والذرة. موضحًا أن أسعار هذه المحاصيل لم تشهد تحولات جذرية طوال العقد الماضي رغم موجات التضخم التي ضربت الاقتصاد العالمي.
اعتبر أن ثبات الأسعار لا يعني غياب الأزمة بل يدل على أن المحصول الأكبر من ارتفاع التكاليف تحمله المنتجون مما أسفر عن انكماش هوامش أرباح المزارعين بدلًا من تمرير هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي.
قال: «الخيار الوحيد المتاح أمام المزارع ليس رفع الأسعار بل زيادة الإنتاجية. فإذا تمكنت من جني كميات أكبر من المساحة ذاتها وبالاعتماد على المعدات والعمالة أنفسهم فهذا هو السبيل الوحيد لامتصاص كلفة الإنتاج المرتفعة».
تقنيات الزراعة الحديثة والميكنة
لفت فان دن بيرج إلى أن الاستثمار في تقنيات الزراعة الحديثة والميكنة ومفهوم «اقتصاد الحجم» يمنح المؤسسات الزراعية الكبرى قدرة أعلى على مضاعفة إنتاجية الهكتار وتقليل تكلفة الوحدة مما يسهم بشكل أكثر كفاءة في امتصاص ارتفاع مصاريف التشغيل.
وأشار إلى أن الشركة ستواصل التركيز على توسيع المشروعات الزراعية الضخمة والاستثمار في أحدث التقنيات وأنظمة الزراعة المستدامة. موضحًا أن المزارع الصغيرة باتت مطالبة بتسريع وتيرة التحول التكنولوجي ورفع كفاءتها التشغيلية لضمان بقائها في بيئة تتسم بالارتفاع المستمر لكلفة الإنتاج.

