قال الدكتور علي جمعة إن فضل العلم يُعد من أهم الوصايا التي تركها النبي محمد ﷺ للأمة، مشيرًا إلى أن تراجع المسلمين لم يكن نتيجة قلة الإمكانات، بل بسبب الابتعاد عن قيمة العلم وإهمال المنهج الذي أسسه الإسلام منذ نزول أول آية من القرآن الكريم، والتي بدأت بكلمة: «اقرأ».
وأوضح خلال خطبة الجمعة التي جاءت بعنوان «فضل العلم» أن الأمة الإسلامية عندما التزمت بمنهج العلم قادت العالم، وأخرجت البشرية من ظلمات الجهل إلى نور المعرفة، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة. مؤكدًا أن الإسلام جمع بين صلاح الدنيا والفوز بالآخرة، ودعا الإنسان إلى عمارة الأرض مع حسن العبادة.
أول وصايا الإسلام لبناء الحضارة
وأشار إلى أن فضل العلم تجلى منذ اللحظة الأولى للرسالة، عندما خاطب الله سبحانه وتعالى نبيه ﷺ بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. هذه البداية تؤكد أن الإسلام جعل القراءة والتعلم أساسًا لبناء الإنسان والحضارة.
وأضاف أن النبي ﷺ ترك للأمة قواعد واضحة إذا تمسكت بها سادت العالم، لكن عندما أهملت هذه الوصايا اختل ميزانها، وأصبحت أمم أخرى أكثر تقدمًا بعدما أخذت بأسباب البحث والعلم والعمل.
قراءة الكون وقراءة القرآن
وأوضح الدكتور علي جمعة أن الإسلام لا يقتصر على قراءة القرآن الكريم فقط، بل يدعو كذلك إلى قراءة الكون والتأمل في سنن الله. مبينًا أن الله أنزل كتابين؛ أحدهما منظور يتمثل في الكون، والآخر مسطور يتمثل في القرآن الكريم. ولا يمكن أن يوجد تعارض بينهما لأن مصدرهما واحد.
وأكد أن الوعي يجب أن يسبق العمل، وأن دراسة الطبيعة والعلوم المختلفة والبحث العلمي والسير في الأرض واكتشاف سنن الله كلها صور من صور العبادة التي تقود إلى نهضة الأمم. وهو ما فعله المسلمون في عصور ازدهارهم حتى أصبحوا قادة للحضارة الإنسانية.
لماذا تأخر المسلمون بعد أن قادوا العالم؟
وأشار إلى أن سبب التراجع الحضاري لم يكن في الدين، وإنما في ترك المسلمين لقراءة الكون وإهمال البحث العلمي. بينما واصلت أمم أخرى العمل والاجتهاد حتى سبقتهم في مجالات المعرفة والتقدم.
وأكد أن فضل العلم يظهر في أن الإسلام لم يفصل بين الدين والدنيا، بل دعا إلى الجمع بين العبادة الصحيحة وإتقان العمل. موضحًا أن دعاء الصالحين كان دائمًا: «اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا»، فحققوا بذلك النجاح في الدنيا والآخرة.
الحملة الفرنسية وقتل علماء الأزهر
وتطرق إلى ما سجله المؤرخ المصري عبد الرحمن الجبرتي عن أحداث الحملة الفرنسية على مصر. موضحًا أن نابليون بونابرت كان يستهدف العلماء حتى إنه اعترف في مذكراته بأنه كان يقتل عددًا من علماء الأزهر بصورة متكررة لإدراكه خطورة دور العلماء في قيادة المجتمع والحفاظ على هويته.
وأشار إلى أن الحملة الفرنسية تسببت في استشهاد أعداد كبيرة من علماء الأزهر الذين كانوا يحملون مشروعًا علميًا كبيرًا في اللغة والفقه والفكر. ومن بينهم تلامذة الإمام المرتضى الزبيدي صاحب كتاب «تاج العروس»، والشيخ عبد القادر البغدادي مؤلف «خزانة الأدب».
بداية النهضة الحديثة
وأوضح أن الشيخ حسن العطار أدرك أن تقدم الغرب لم يكن صدفة، وإنما جاء نتيجة الاهتمام بالعلوم ودراسة الكون. ولذلك دعا إلى الاستفادة من هذه الخبرات.
وأضاف أن محمد علي باشا أرسل البعثات العلمية إلى أوروبا وكان من أبرز أفرادها رفاعة رافع الطهطاوي الذي عاد ليسهم في تأسيس نهضة علمية حديثة في مصر حيث بدأت حركة الترجمة ودُرست العلوم الحديثة باللغة العربية وازدهرت مجالات الطب والهندسة وغيرها.
وأكدت هذه المرحلة على أنه لا يمكن للأمم النهوض إلا بالعلم وأن العلماء كانوا دائمًا في مقدمة حركة الإصلاح والتطوير.
خطورة تراجع مكانة العلماء في المجتمع
وأشار الدكتور علي جمعة إلى أنه يبدأ الخطر الحقيقي عندما يتراجع العلماء عن مواقعهم ويغيب أهل الاختصاص عن المشهد. مؤكدًا أنه لا يمكن للفراغ البقاء خاليًا بل يملؤه غير المؤهلين.
واستشهد بقول الشاعر:.
تصدَّر للتدريس كل مهوسٍ
بليدٍ تسمى بالفقيه المدرس.
.
Mبينًا أنه عندما يتصدر غير المؤهلين يؤدي ذلك إلى فساد الفكر وإضعاف قيمة العلم وانتشار الجهل باسم الدين أو الثقافة.
التحذير من الفهم السطحي للدين
وأكد أنه من أخطر مظاهر الانحراف هو اعتقاد بعض الناس بأن قراءة القرآن دون تعلم علومه أو الرجوع إلى العلماء تكفي لاستنباط الأحكام. مشيرًا إلى ضرورة وجود منهج وضوابط وأصول علمية لتحقيق الفهم الصحيح.
وأوضح أن الخلط بين الدين والتدين أدى إلى ظهور جماعات تتحدث باسم الإسلام دون علم معتمدين على الفهم السطحي للنصوص وهو ما حذر منه النبي ﷺ في أحاديثه عن الخوارج الذين وصفهم بأنهم يقرؤون القرآن دون تجاوز إيمانهم حناجرهم.
فضل العلم طريق نهضة الأمة
واختتم الدكتور علي جمعة خطبته بالتأكيد على أن فضل العلم هو الطريق الحقيقي لنهضة الأمة واستعادة مكانتها بين الأمم داعيًا إلى إعادة الاعتبار للعلم والعلماء والتمسك بمنهج الإسلام الذي يجمع بين قراءة الوحي وقراءة الكون حتى تستعيد الأمة دورها الحضاري ورسالتها الإنسانية.

