التضخم والغلاء والدولار.. ثلاثية تطارد العملة الوطنية.

190 عاماً من الشقاء في أيدي المصريين.. بدأ بالذهب وانتهى بالحديد

بقال: زمان كان يملأ البيت خيراً.. «إنهارده ما يشتريش لبانة»

الجنيه الورقي فقد دوره في المعاملات اليومية.. والقوة الشرائية للعملة هي المرآة الحقيقية للاقتصاد

تاجر: لم تعد له قيمة.. ولو مش موجود بنقرب السعر

لم يكن الحاج محمود، السبعيني الذي يجلس أمام متجره الصغير في أحد أحياء القاهرة القديمة، يتحدث عن النقود باعتبارها أوراقاً أو قطعاً معدنية، بل كان يستعيد معها عمراً كاملاً. وأمسك قطعة معدنية من فئة الجنيه، قلبها بين أصابعه، ثم ابتسم قائلاً: «زمان.. الجنيه كان زمان غير. كنت أرجع من السوق ومعايا لحمة وخضار وفاكهة، ولسه باقي منه. النهاردة ممكن ما يجيبش حتى لبانة».

لم تكن كلمات الرجل السبعيني مجرد حنين إلى الماضي، بقدر ما كانت تلخيصاً مكثفاً لرحلة طويلة عاشها الجنيه المصري منذ أن خرج إلى النور قبل نحو قرنين. رحلة لم تتغير خلالها أشكال العملة فحسب، بل تبدلت معها قيمة الجنيه، وقوته الشرائية، ودوره في الاقتصاد، وحتى طريقة استخدامه في حياة المصريين.

بين أول جنيه ارتبط بالذهب في القرن التاسع عشر وآخر جنيه تم صكه من الفولاذ المطلي بالنيكل، تختبئ قصة اقتصاد كامل شهد الاحتلال والحروب والانفتاح والإصلاح الاقتصادي والتضخم والتحول الرقمي لتصبح العملة مرآة تعكس تاريخ الدولة وتحولاتها أكثر مما تعكس قيمة مالية مطبوعة عليها. رحلة بدأت منذ 190 عاماً ومازالت مستمرة كان الجنيه خلالها شاهداً على عصور.

من الذهب بدأ كل شيء.

لم يولد الجنيه المصري كورقة نقدية تتداولها الأيدي كما هو الحال اليوم، بل كانت بدايته قطعة ذهبية تحمل قيمة حقيقية استندت إلى المعدن النفيس، في وقت كانت فيه قوة العملات تقاس بما تمتلكه الدول من احتياطيات الذهب وليس بحجم اقتصاداتها أو سياساتها النقدية.

ويقول حسام الغايش، خبير سوق المال، إن جذور الجنيه المصري تعود إلى عام 1834 عندما أصدر الوالي محمد علي باشا قانوناً لتنظيم النظام النقدي في مصر ضمن مشروعه لبناء دولة حديثة تمتلك مؤسسات مالية مستقلة.

وأضاف «الغايش» في حديثه لـ«أحداث اليوم» أن تطبيق القانون مهد لإطلاق الجنيه المصري رسمياً بعد عامين ليصبح الوحدة الأساسية للعملة الوطنية، في خطوة مثلت نقطة تحول مهمة في تاريخ الاقتصاد المصري ورسخت مفهوم السيادة النقدية للدولة.

وأشار الغايش إلى أن اختيار اسم «الجنيه» لم يكن اختياراً عشوائياً بل جاء متأثراً بالجنيه الذهبي البريطاني الذي كان يعد آنذاك من أقوى العملات العالمية وأكثرها استقراراً. كما أن التسمية ارتبطت تاريخياً بقطعة ذهبية ذات وزن محدد مما جعل الجنيه المصري في بداياته مرتبطاً بقيمة الذهب الفعلية وليس بمجرد قيمة اسمية مدونة على العملة.

ولفت إلى أن هذا الارتباط منح الجنيه المصري قدراً كبيراً من الثقة والاستقرار خلال العقود الأولى من تداوله إذ كانت قيمته مدعومة باحتياطيات حقيقية من الذهب في ظل نظام قاعدة الذهب الذي كان مطبقاً في معظم الاقتصادات العالمية خلال القرن التاسع عشر.

وذكر الغايش أن هذه المعادلة تغيرت تدريجياً مع التحولات الاقتصادية العالمية وتراجع العمل بنظام قاعدة الذهب لتنتقل قيمة العملات من الارتباط بالمعدن النفيس إلى الارتباط بقوة الاقتصاد الوطني وكفاءة السياسة النقدية لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في رحلة الجنيه المصري لم تعد فيها قيمته تقاس بما يقابله من ذهب وإنما بما يمتلكه الاقتصاد من مقومات النمو والاستقرار.

وأكد الغايش أن قصة نشأة الجنيه المصري تكشف أن العملة لم تكن يوماً مجرد وسيلة للتبادل أو رقم مطبوع على ورقة نقدية بل كانت ولا تزال انعكاساً مباشراً لثقة المجتمع في قوة الدولة وقدرتها على إدارة اقتصادها بكفاءة.

وأشار إلى أن قوة الجنيه في بداياته جاءت من ارتباطه بالذهب بينما أصبحت قوته اليوم تعتمد على عوامل اقتصادية أكثر تعقيداً تشمل معدلات النمو وحجم الإنتاج والاستثمارات والصادرات واستقرار الأسعار وكفاءة إدارة السياسة المالية والنقدية.

وشدد خبير سوق المال على أنه يمكن استعادة قوة الجنيه عبر بناء اقتصاد إنتاجي أكثر تنافسية قادر على خلق قيمة مضافة وتعزيز الصناعة والتصدير وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأكد الغايش أن تاريخ الجنيه المصري يقدم درساً اقتصادياً بالغ الأهمية مفاده أن العملة القوية هي نتاج اقتصاد قوي وأن الثقة في العملة الوطنية تبنى بالسياسات الاقتصادية الرشيدة والإنتاج والاستثمار والاستقرار المالي وليس بالرمزية التاريخية أو شكل العملة وحده.

البنكنوت شاهد على التاريخ.

لم تكن الأوراق النقدية المصرية مجرد وسيلة للدفع بل كانت دائماً تحمل رسائل سياسية وحضارية وثقافية. ففي أواخر القرن التاسع عشر بدأت الأوراق النقدية تظهر بشكلها الحديث من خلال البنك الأهلي المصري الذي كان يتولى إصدار النقد قبل إنشاء البنك المركزي.

كانت التصميمات تحمل معابد فرعونية ومساجد تاريخية ورموزاً للحضارة المصرية لتتحول العملة إلى بطاقة تعريف للدولة قبل أن تكون أداة للتبادل التجاري. ومع كل حقبة سياسية كانت تتغير ملامح البنكنوت.

ظهرت توقيعات جديدة وتبدلت الشعارات وتغيرت الألوان وأضيفت وسائل حماية أكثر تطوراً بينما ظل الجنيه محتفظاً بدوره الأساسي كوسيط يعبر عن قيمة الاقتصاد في كل مرحلة لكن التغير الأكبر لم يكن في الشكل وإنما في القيمة فالجنيه الذي كان يوماً يعادل وزناً من الذهب أصبح مع مرور العقود يواجه تحديات التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية لتصبح المقارنة بين الأمس واليوم أشبه بمقارنة بين اقتصادين مختلفين.

من مصانع القطن إلى عصر البوليمر.

قد لا يعرف الكثيرون أن الورقة النقدية ليست «ورقاً» بالمعنى التقليدي فعلى مدار عقود طويلة كانت أوراق البنكنوت المصرية تصنع من خليط خاص يعتمد بصورة رئيسية على ألياف القطن وليس على لب الخشب المستخدم في الورق العادي. فهذا النوع من الورق يتميز بقدرته على تحمل التداول سنوات كما يسمح بإضافة العلامات المائية والخيوط المعدنية والعناصر الأمنية التي تجعل تزويره أكثر صعوبة.

وتبدأ رحلة الورقة النقدية قبل وصولها إلى جيب المواطن بمراحل معقدة تشمل تصميم الرسومات وإعداد الأحبار الخاصة وإضافة الشرائط الأمنية والطباعة متعددة الطبقات ثم الفحص الإلكتروني واليدوي لكل ورقة قبل خروجها للتداول. ومع التطور التكنولوجي لم تعد هذه المواصفات كافية.

ففي ظل تزايد محاولات التزوير وارتفاع تكلفة استبدال الأوراق التالفة بدأت العديد من الدول تتجه لاستخدام البوليمر وهو مادة بلاستيكية مرنة تتمتع بعمر افتراضي أطول ومقاومة أكبر للرطوبة والأتربة وتتيح إضافة عناصر تأمين يصعب تقليدها ولم تكن مصر بعيدة عن هذا الاتجاه إذ دشنت مطبعة البنك المركزي الجديدة بالعاصمة الإدارية وبدأت إصدار العملات البوليمرية لتدخل مرحلة جديدة في تاريخها النقدي.

عندما أعلن البنك المركزي المصري طرح أول أوراق نقدية مصنوعة من البوليمر انقسمت آراء المواطنين بين من رأى أنها مجرد «شكل جديد» للعملة ومن اعتقد أنها تمثل بداية لمرحلة مختلفة في تاريخ النقد المصري لكن خلف الورقة اللامعة والملمس المختلف كانت هناك قصة اقتصادية أكثر عمقًا.

إن إصدار البنكنوت البوليمري لم يكن قرارًا تجميليًا بل جاء ضمن استراتيجية لتطوير منظومة النقد.

ويرى الدكتور محمد الشيمي الخبير المصرفي أن كثيرين يربطون بين تغيير شكل العملة وقيمتها بينما الحقيقة هي أن إصدار البوليمر لا يعني زيادة أو انخفاضًا في قيمة الجنيه وإنما يعكس تحديثًا في أسلوب إدارة النقد موضحًا أن الهدف الأساسي يتمثل في خفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل وزيادة عمر الورقة النقدية وتقليل معدلات التزوير مشيرًا إلى أن الـ100 جنيه كانت قيمة مهور.

وأضاف «الشيمي» خلال حديثه لـ«أحداث اليوم» إن الورقة المصنوعة من البوليمر تعيش فترة قد تصل إلى ضعفي أو ثلاثة أضعاف عمر الورقة القطنية كما أنها تقاوم المياه والرطوبة والتمزق بدرجة أكبر وهو ما يقلل الحاجة لاستبدالها بصورة متكررة ويوفر ملايين الجنيهات التي كانت تنفق سنويًا على طباعة أوراق جديدة.

وأشار إلى أن خامة البوليمر تسمح بإضافة نوافذ شفافة وعناصر أمنية يصعب استنساخها وهو ما يرفع مستوى الحماية ضد عمليات التزييف التي أصبحت أكثر تطورًا مع انتشار تقنيات الطباعة الرقمية.. ومع أن المواطن قد لا يلحظ هذه المزايا خلال حياته اليومية إلا أنها تمثل بالنسبة للبنوك المركزية عنصرًا مهمًا لإدارة تكلفة إصدار النقد والحفاظ على جودته.

لماذا اختفت ورقة الجنيه؟

لم تعد ورقة الجنيه وورقتا 25 و50 قرشًا جزءًا من المعاملات اليومية كما كانت سابقًا إذ تحولت إلى ذكرى أكثر منها وسيلة للدفع. ويعزو الخبراء ذلك لتراجع القوة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم مما جعل تكلفة طباعة الفئات النقدية الصغيرة تقترب أحيانًا من قيمتها الاسمية لتصبح أقل جدوى اقتصاديًا مع الاعتماد تدريجيًا على العملات المعدنية ثم وسائل الدفع الإلكترونية.

ويؤكد أحد أصحاب محال البقالة أن المشكلة لا تكمن فقط فى ندرة الفئات الصغيرة بل أيضًا فى تغير سلوك المستهلكين موضحًا أن الكثيرين أصبحوا يتعاملون مع الجنيه باعتباره قيمة محدودة مما يدفع التجار تقريب الأسعار أو استبدال «الفكة» بسلعة بسيطة. ويرى خبراء الاقتصاد أن هذه الظاهرة ليست حكراً على مصر بل شهدتها دول عديدة مع تراجع القوة الشرائية لعملاتها.

تكشف المقارنة بين الماضي والحاضر حجم التغير فى القوة الشرائية للجنيه. فبحسب أحد المواطنين كان الجنيه فى السبعينيات يكفي لشراء الخبز والخضراوات وبعض السلع الأساسية بينما أصبح اليوم ذا قيمة رمزية لا تكفى لشراء أبسط المنتجات فى كثير من الأحيان. ويؤكد الخبراء أن الهدف من هذه المقارنة ليس المفاضلة بين الفترات الزمنية بل توضيح أثر التضخم وتغير الأسعار وتكاليف الإنتاج على قيمة العملة عبر الزمن.

من مرآة للتضخم إلى عصر النقود الرقمية.

لا تعكس رحلة الجنيه المصرى تطور شكل العملة فحسب بل تحكي أيضاً مسار الاقتصاد المصرى وتحولاته؛ فلم يفقد الجنيه قوته الشرائية فجأة وإنما تأثر على مدار العقود بموجات تضخم نتجت عن أزمات عالمية وإصلاحات اقتصادية وتغيرات فى أسعار الصرف والطاقة والسلع.

ويعني التضخم أن الجنيه يشترى سلعاً وخدمات أقل مما كان يشتريه فى الماضي وهي ظاهرة تشهدها معظم الاقتصادات بدرجات متفاوتة وفقاً للسياسات النقدية والإنتاج ومستويات النمو.

وفى المقابل يشهد الجنيه تحولاً جديداً مع التوسع فى المدفوعات الإلكترونية والمحافظ الرقمية وتطبيقات الدفع الفورى مثل “إنستاباى” حيث أصبحت الهواتف الذكية تؤدى جزءاً متزايداً من وظائف النقد. ويرى خبراء أنه لا يعني هذا التطور اختفاء النقود الورقية بل تراجع دورها تدريجياً بالتزامن مع جهود الدولة لتعزيز الشمول المالي وخفض الاعتماد على النقد والحدّ من الاقتصاد غير الرسمي.