كلاهما ضحى من أجل الفن، وكلاهما أفلس بسبب هوسه بالغناء، وكلاهما سافر لرؤية مطربه المفضل وحضور حفلاته، ولكن شتان بين الإثنين. الحاج سعيد الطحان، أحد أعيان طنطا وأكبر تاجر قطن في مصر، معروف بعشقه لأم كلثوم وولعه بأغانيها، حتى أنه كان حريصًا على حضور أغلب حفلاتها. أما السيدة التي لم نعرف لها اسمًا سوى لقب (بائعة الجاموسة) الذي منحته لها وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تركت قريتها وسافرت إلى الساحل الشمالي لحضور حفل محمد رمضان.
الحاج سعيد الطحان اشتهر بعباراته العفوية التي كانت تستوقف أم كلثوم أثناء الغناء، حيث كان الجمهور يصفق لها وتتناقل الصحف عباراته مثل (عظمة على عظمة يا ست) و(والنبي تاني يا ست دا أنا جايلك من طنطا). بينما بائعة الجاموسة اشتهرت بعبارتها (أمنية حياتي أشوف نمبر 1).
ظل الحاج سعيد ينفق على حفلات أم كلثوم في الداخل والخارج حتى أفلس، في حين أفلست بائعة الجاموسة عندما باعت أغلى ما تملك لتحضر حفل رمضان.
تجمع بين المهووس بأم كلثوم والمهووسة برمضان القواسم المشتركة كونهما من الريف وبيعهما ما يملكان لحضور حفلات نجميهما. لكن الفارق بينهما يشبه الفارق بين الأرض الخصبة التي تثمر في مواسمها والأرض المهملة التي نبتت بها أعشاب يُطلق عليها الفلاحون (شيطانية)، أو هو نفس الفارق بين أم كلثوم ومحمد رمضان. هنا نتوقف لنبحث عن الأسباب التي أدت إلى تدني الذوق العام والوصول به إلى هذا المستوى.
الحاج سعيد أفلس ليحضر حفلات لسيدة أذهلت العالم وشكلت وجدان العرب وكانت وستظل علامة فارقة في تاريخ الغناء. أما بائعة الجاموسة فأفلست لتحضر حفل لممثل متهم بإفساد جيل الشباب.
يروى أن الحاج سعيد أغمى عليه عندما أشارت إليه أم كلثوم وهي تغني (ياما عيون شاغلوني لكن ولا شغلوني إلا عيونك إنت، دول بس اللي خدوني وبحبك أمروني). بينما يروى عن بائعة الجاموسة أنها كادت أن تفقد وعيها أثناء حفل محمد رمضان بسبب الزحام ومحاولات التحرش.
من المتسبب في تدني الذوق العام؟ ومن الذي جرف ساحة الفن وأفقدها خصوبتها وحولها إلى أرض بور لا ينبت فيها إلا ما ينبت حول البرك والمستنقعات؟
ما الذي يدفع سيدة مسنّة إلى بيع أهم ما تملك لتحضر حفلاً لا يحضره إلا من فقد ذوقه؟ جميع عناصر الحفل بدءًا من المطرب شبه العاري وانتهاءً بالجمهور شبه المغيب تتعارض مع أخلاقيات ومزاج أهل الريف. بل هو عيب على من يشاهده وليس على من يصر على حضوره.
نحن في أزمة، ولابد من تصحيح مسار الفن المصري، تلك القوة الناعمة التي يتربص بها البعض.

