في 14 أكتوبر 2025، أصبح سهم “جدوى للتنمية الصناعية” أرخص اسميًا بخمسة أضعاف، بعدما تم تجزئة السهم من 1.90 جنيه إلى 38 قرشًا، بمعدل خمس أسهم لكل سهم.
ومع ذلك، لم تصبح الشركة في تلك اللحظة أكثر ربحية، ولم تتضاعف أصولها، ولم تنخفض ديونها، ولم يدخل جنيه جديد إلى خزينتها.
ما تغير هو شيء واحد فقط: حجم وحدة التداول وعدد الأسهم.
لماذا تلجأ الشركات إلى تجزئة الأسهم؟
وهنا تبدأ القصة الاقتصادية الحقيقية لتجزئة الأسهم: إذا كانت العملية لا تضيف قيمة محاسبية للشركة، فلماذا تلجأ إليها الشركات؟ وهل يستطيع خفض سعر الوحدة أن يجذب مستثمرين جدد ويرفع السيولة ثم يتحول في النهاية إلى زيادة فعلية في القيمة السوقية؟
التجزئة.. تغيير في “الوحدة” لا في “الثروة”
يقول شريف منصور العضو المتندب لشركة الصك القابضة للاستثمارات المالية إن تجزئة السهم هي عملية فنية تخفض القيمة الاسمية للسهم، مقابل زيادة عدد الأسهم بنفس النسبة مع بقاء رأس المال المصدر ثابتًا.
ويتابع لـ”مصراوي”: عندما تتحول قيمة سهم من جنيه إلى 10 قروش، ويحصل كل مساهم على 10 أسهم بدلًا من سهم واحد، لا تتغير قيمة ملكيته في الشركة.
وضرب مثالًا: بالمعنى الحسابي البسيط، إذا امتلك مستثمر 100 سهم بسعر 100 جنيه، فإن قيمة محفظته تبلغ 10 آلاف جنيه. وبعد التجزئة من 1 إلى 10، يصبح لديه ألف سهم بسعر نحو 10 جنيهات، وتظل قيمة المحفظة نفسها عند 10 آلاف جنيه.
ويذكر أن الأمر نفسه ينطبق على القيمة السوقية للشركة؛ إذ إن القيمة السوقية تساوي عدد الأسهم مضروبًا في سعر السهم. ولذلك فإن زيادة عدد الأسهم الناتجة عن التجزئة يقابلها انخفاض نسبي في سعر الوحدة.
لماذا تريد الشركات سهمًا أرخص؟
يقول ريمون نبيل خبير أسواق المال إن الأدبيات المالية تطرح أكثر من تفسير لجوء الشركات إلى التجزئة. أحد هذه التفسيرات هو أن الإدارة قد تستخدم التجزئة لإرسال رسالة إلى السوق بأنها ترى آفاقًا إيجابية للشركة، خصوصًا عندما تأتي العملية بعد فترة من ارتفاع سعر السهم.
ويضيف لـ”مصراوي”: التفسير الثاني هو فرضية الملاءمة؛ حيث تسعى الشركة لجعل سعر السهم أكثر ملاءمة للمستثمرين الأفراد وتحسين قابلية تداوله وجذب مزيد من المتعاملين.
ويتابع: التفسير الثالث أبسط؛ وهو أن السوق نفسه قد يعتاد نطاقًا سعريًا معينًا للأسهم فتسعى الشركات لإبقاء سهمها ضمن هذا النطاق. مبينًا أنه لا ينبغي النظر إلى التجزئة كإجراء محاسبي بل باعتبارها قرارًا يستهدف سلوك السوق بدرجات مختلفة.
هل يصبح السهم أكثر جاذبية لصغار المستثمرين؟
يقول سيف عوني العضو المنتدب لشركة إيليت للاستشارات المالية إنه بامتلاك المستثمر 10 أسهم من سهم سعره ألف جنيه وبعد تجزئته من 1 إلى 10 يصبح سعره 100 جنيه. عدد الوحدات تضاعف ولكن قيمة استثماره لم تتغير.
ويضيف لـ”مصراوي” أن التجزئة قد ترتبط بزيادة عدد المساهمين الأفراد وارتفاع المعاملات الصغيرة، مما يعني أن خفض السعر الاسمي يمكن أن يؤثر بالفعل في سلوك المستثمر.
ويشير إلى أن السهم لم يصبح “أرخص” من الناحية الاستثمارية؛ إذ إن السهم الذي يبلغ 50 جنيهًا ليس بالضرورة أرخص من سهم يبلغ ألف جنيه؛ فالسعر وحده لا يخبر المستثمر شيئًا عن القيمة العادلة للشركة أو أرباحها أو مضاعف ربحيتها.
ماذا تقول الحالات المصرية؟
شهدت البورصة المصرية خلال السنوات الأخيرة حالات عدة لتجزئة القيمة الاسمية؛ منها “المصريين للاستثمار والتنمية العمرانية” التي جرى تجزئة سهمها من جنيه إلى 10 قروش بواقع عشرة أسهم لكل سهم اعتبارًا من أكتوبر 2023.
كما جرى تجزئة سهم “مستشفى النزهة الدولي” من ستة جنيهات إلى جنيه واحد في أبريل 2021. بينما خُفضت القيمة الاسمية لسهم “الوطنية للطباعة” من عشرة جنيهات إلى جنيه واحد في فبراير 2024.
وفي أكتوبر 2025، جرى تجزئة سهم “جدوى للتنمية الصناعية” من 1.90 جنيه إلى 38 قرشًا بمعدل خمس أسهم لكل سهم.
يقول شريف منصور إن تلك الحالات لا تكفي وحدها لإثبات نجاح التجزئة؛ فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد التنفيذ مباشرة.
ويتابع أنه يجب مقارنة كل سهم بفترة زمنية مماثلة قبل وبعد التجزئة مع مراعاة أداء المؤشر العام حتى لا ننسب ارتفاع الأسعار للتجزئة بينما يكون السبب صعود البورصة ككل.
ويشير أيضًا إلى أنه لا يمكن تجاهل نسبة التداول الحر؛ إذ إن زيادة عدد الأسهم نتيجة التجزئة لا تعني بالضرورة أن عدد الأسهم المتاحة فعليًا للتداول ارتفع. فإذا كان غالبية الأسهم مملوكًة لمساهم رئيسي أو مستثمر استراتيجي فإن مضاعفة عدد الأسهم لن تضيف بالضرورة سيولة حقيقية للسوق.
في النهاية، تجزئة القيمة الاسمية لا تضيف أي قيمة لأصول الشركة ولا تزيد أرباحها ولا تغير حقوق مساهميها لحظة التنفيذ. لكنها قد تؤثر على سلوك المستثمرين وقابلية التداول وهيكل الطلب على السهم.
ومن هنا لا يصح اعتبار التجزئة وسيلة مضمونة لرفع القيمة السوقية كما لا ينبغي اختزالها بأنها إجراء شكلي بلا أثر.
أما إذا أدى انخفاض سعر الوحدة إلى زيادة حقيقية في التداول واتساع قاعدة المستثمرين وتحسن استمرارية التداول وانخفاض تكلفة رأس المال فقد تتحول التجزئة من مجرد إعادة تقسيم للسهم إلى أداة لتحسين كفاءة التسعير والسيولة.

