عندما سدد محمد صلاح ركلته بكل هدوء في منتصف مرمى أستراليا على طريقة بانينكا، خلال ركلات الترجيح في دور الـ32 من كأس العالم 2026، لم يحقق للفراعنة فقط انتصارهم الأول في الأدوار الإقصائية، بل أضاف أيضًا فصلاً جديدًا إلى قصة بدأت قبل 16 عامًا من ولادته.
لطالما اتُهم أصحاب الأفكار العبقرية بالجنون، كما وصف الأسطورة بيليه لاعب وسط تشيكوسلوفاكيا أنتونين بانينكا بأنه “إما عبقري أو مجنون”، بعدما سجل ركلة الترجيح الحاسمة للقب في نهائي بطولة أمم أوروبا 1976 بتلك الطريقة الفريدة.
يعتبر محمد صلاح أحدث المنضمين إلى قائمة العباقرة في كأس العالم الذين لم يعرفوا الخوف، حيث حافظوا على ثباتهم الانفعالي عند لحظة الحقيقة، مقتفين أثر بانينكا عبر خداع حارس المرمى الذي توقع تسديدة قوية في زاوية معينة، قبل أن يغمز الكرة برفق لتسكن منتصف الشباك.
كان أول لاعب ينقل إرث بانينكا من بطولة أمم أوروبا إلى كأس العالم هو مواطنه ميشال بيليك، خلال المباراة الافتتاحية لمنتخب تشيكوسلوفاكيا في كأس العالم 1990 بإيطاليا. حينها كان منتخب بلاده متقدمًا بـ4 أهداف نظيفة ضد المنتخب الأميركي عندما أتيحت له الفرصة لإعادة تجسيد إنجاز بانينكا، لكنه لم يتمكن من خداع الحارس الأميركي توني ميولا الذي تصدى للكرة بثبات، لتكون تلك المحاولة هي الأولى والوحيدة لأسلوب بانينكا في كأس العالم خلال القرن العشرين.
شهد تاريخ كأس العالم ركلات ترجيح شهيرة مثل ركلة الأسطورة الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا في نابولي عام 1990، وإهدار ستيوارت بيرس ضد ألمانيا الغربية بعد يوم واحد، وانكسار قلب المهاجم الإيطالي روبرتو باجيو في نهائي 1994. لكن لا توجد ركلة أشهر من تلك التي كاد الأسطورة الفرنسي زين الدين زيدان أن يهدرها ضد الحارس الإيطالي الأيقوني جانلويجي بوفون في نهائي مونديال ألمانيا 2006.
في مباراته الأخيرة قبل الاعتزال وتحت أقصى درجات الضغط، حافظ زيدان على هدوئه وأعاد ركلة بانينكا إلى كأس العالم، حيث اصطدمت كرته بالجانب السفلي من العارضة وتجاوزت خط المرمى بقليل. ومع ذلك لم يكن هذا كافياً لتتويج بلاده باللقب، وظل طرده بعد الواقعة المثيرة للجدل مع ماركو ماتيراتزي هو الحدث الأبرز في مواجهة انتهت بتتويج إيطاليا وحرمان زيدان من نهاية مثالية لمسيرته.
لم يكن “زيزو” اللاعب الأول الذي ينجح في تنفيذ هذه الركلة في نسخة 2006. فقبل ذلك واجهت أوكرانيا منتخب سويسرا وحارسها باسكال زوبربوهلر الذي لم تستقبل شباكه أي هدف. وبعد نهاية الشوطين الإضافيين بالتعادل السلبي اتجهت المباراة لركلات الترجيح. أهدر الأسطورة الأوكراني أندري شيفتشينكو الركلة الأولى، لكن البديل أرتيم ميليفسكي تخلص من الضغوط وسجل ركلة على طريقة بانينكا ليقود فريقه إلى دور الثمانية.
قد يكون أول ما يتبادر إلى الذهن عند تذكر مباراة أوروغواي وغانا في مونديال جنوب إفريقيا 2010 هو إهدار أسامواه جيان لركلة الجزاء بعد لمسة يد لويس سواريز الشهيرة على خط المرمى. لكن ركلة سيباستيان أبريو خلال ركلات الترجيح كانت هي الحاسمة. دخل المهاجم المعروف برباطة جأشه بديلاً لإدينسون كافاني في منتصف الشوط الثاني وأوكلت إليه لاحقًا مهمة تنفيذ الركلة الحاسمة. تقدم وسجل الكرة ببرود شديد ليصبح المحبوب الأول للجماهير ويثبت مجددًا أن الخط الفاصل بين العبقرية والجنون لا يتعدى سمك الشعرة.
استمراراً لهذا النهج، فاجأ منتخب روسيا الكثيرين بوصوله إلى دور الثمانية في مونديال 2018 التي جرت على أرضه ليضرب موعدًا مع كرواتيا. المؤكد أن البديل فيودور سمولوف لا يحمل ذكريات سعيدة عن تلك الليلة في سوتشي حيث تولى تنفيذ الركلة الأولى خلال ركلات الترجيح وحاول لعبها على طريقة بانينكا لكن الحارس دانييل سوباشيتش تصدى لها. وكانت تلك البداية مؤشراً لسير الأمور حيث أهدر الروسي ماريو فيرنانديز ركلته أيضًا لتتأهل كرواتيا للمربع الذهبي على حساب أصحاب الأرض.
على الرغم من أن المغرب لم يستضف مونديال 2022، كانت الأجواء في قطر تبدو وكأنها تعيش الرباط أو الدار البيضاء عندما واجه أسود الأطلس منتخب إسبانيا المرشح للقب. وبعد 120 دقيقة من القتال الشرس انتهى اللقاء بالتعادل السلبي. أهدر المنتخب الإسباني أول ثلاث ركلات ترجيح بينما سجل للمغرب عبد الحميد صابيري وحكيم زياش. وقعت الركلة الحاسمة على عاتق أشرف حكيمي المولود في مدريد ليسدد كرة ساقطة على طريقة بانينكا داخل شباك الإسبان معلناً تأهل أسود الأطلس إلى دور الثمانية للمرة الأولى في تاريخهم.
ومع انطلاق نسخة مونديال 2026 شهدنا كتابة تاريخ جديد بواسطة منتخب شمال إفريقي آخر. بعد تعادل مثير مع أستراليا حسمت ركلات الترجيح هوية المتأهل للدور التالي للمرة الأولى في تاريخ المواجهات الإقصائية للفراعنة. ضمن إهدار هاري سوتار تقدم مصر لتصبح الركلة الثالثة فرصة لوضع الفراعنة على أعتاب الفوز. جاءت تلك اللحظة الحاسمة لتضع الأيقونة صلاح أمام المرمى لينطلق بركضته الشهيرة المعتادة قبل أن يبطئ حركته ويغمز الكرة برفق لتتجاوز الحارس المستسلم ماثيو رايان وتتهادى داخل الشباك معلنة فصلاً جديداً من الإبداع الكروي بتاريخ المونديال.

