كشف خبراء ومتخصصون في الإحصاء وتحليل البيانات أن قرار الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” بتوسيع بطولة كأس العالم أسهم بصورة كبيرة في رفع احتمالات حدوث مفاجآت خلال المنافسات، إلا أنهم يؤكدون في الوقت نفسه أن النظام الجديد، رغم ما يتيحه من فرص للمنتخبات الأقل تصنيفا، لا يزال يصب في مصلحة المنتخبات الكبرى القادرة على الحفاظ على مستواها الفني والبدني طوال مشوار البطولة.

وأجرى “فيفا” تعديلا تاريخيا على نظام البطولة، بعدما رفع عدد المنتخبات المشاركة من 32 إلى 48 منتخبا، وهو ما أدى إلى زيادة مدة المنافسات بأكثر من عشرة أيام مقارنة بالنظام السابق. ويؤكد أستاذ الإحصاء بجامعة إنسبروك أكيم زيليس أن النظام الجديد يفرض تحديات إضافية على المنتخبات المرشحة للفوز بالبطولة، موضحا أن كل مباراة جديدة بنظام خروج المغلوب تمثل فرصة إضافية لحدوث مفاجأة قد تنهي مشوار أحد المنتخبات الكبيرة.

وقال زيليس، في تصريحات نقلتها وكالة “رويترز”: “إن وجود مباراة إضافية في الأدوار الإقصائية يرفع من احتمالات خروج المنتخبات المرشحة”، مشيرا إلى أن فرص تأهلها لم تعد كما كانت في السابق، إذ تنخفض إلى ما بين 75 و80 % مقارنة بالنسبة التي كانت تتمتع بها قبل إضافة هذه العقبة الجديدة.

ومن أبرز التعديلات التي شهدها النظام الجديد أيضا اعتماد تأهل أفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث في دور المجموعات، وهو ما يمنح المنتخبات الأقل تصنيفا فرصة أكبر لمواصلة المنافسة.

ويرى زيليس، الذي يعمل ضمن فريق دولي من الباحثين يعتمد على نماذج التعلم الآلي لمحاكاة جميع المباريات المحتملة في كأس العالم، أن هذا التعديل أوجد حالة غير مسبوقة من التعقيد في حسابات البطولة.

وأوضح أن الجولة الأخيرة من دور المجموعات أصبحت أكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية، إذ بات بإمكان بعض المنتخبات تعديل أسلوب لعبها أو حساباتها وفقا لنتائج المباريات التي أقيمت قبلها. كما أصبحت احتمالات تحديد المنافسين في الأدوار التالية أكثر تعقيدا.

وأضاف أن تأهل ثمانية منتخبات من أصحاب المركز الثالث في المجموعات الاثنتي عشرة خلق ما وصفه بمشكلة التبعية الزمنية، حيث أصبحت بعض المنتخبات قادرة على الاستفادة من نتائج مباريات سابقة عند وضع خططها للمباريات اللاحقة. كما أن المنتخبات الكبرى قد تعرف أنها ستواجه متأهلا من المركز الثالث، لكنها لا تستطيع تحديد هويته إلا بعد انتهاء جميع مباريات الدور الأول.

وأدى النظام الجديد كذلك إلى تأخير حسم مصير عدد من المنتخبات، بعدما اضطرت فرق عديدة إلى الانتظار عدة أيام عقب انتهاء مبارياتها في دور المجموعات لمعرفة ما إذا كانت ستتأهل ضمن أفضل المنتخبات التي احتلت المركز الثالث. وهو ما أضاف مزيدا من الترقب والغموض إلى البطولة.

وشهدت البطولة بالفعل عددا من النتائج المفاجئة التي اعتبرها كثيرون دليلا على تأثير النظام الجديد. إذ ودعت ألمانيا، المتوجة بلقب كأس العالم أربع مرات، المنافسات من دور الـ32 عقب خسارتها أمام باراغواي.

كما تعرض منتخب هولندا، الذي سبق له بلوغ المباراة النهائية ثلاث مرات، لخروج مبكر من الدور نفسه بعد خسارته أمام منتخب المغرب، في واحدة من أبرز مفاجآت البطولة.

ولا يقتصر تأثير النظام الجديد على زيادة فرص المفاجآت فقط بل يمتد أيضا إلى تغيير طريقة تعامل المنتخبات الكبرى مع البطولة بأكملها.

فمع زيادة عدد المباريات وقصر فترات الاستشفاء بين المواجهات أصبح المديرون الفنيون يركزون بصورة أكبر على إدارة المجهود البدني للاعبين وتقليل المخاطر بدلا من السعي إلى فرض السيطرة الكاملة في كل مباراة منذ البداية.

ويجمع الخبراء على أن طول البطولة يفرض على المنتخبات المرشحة للقب تحقيق توازن دقيق بين تحقيق النتائج والحفاظ على جاهزية اللاعبين. وهو ما يجعل عمق قائمة الفريق والقدرة على تدوير اللاعبين من أبرز العوامل التي قد تحسم هوية بطل النسخة الجديدة من كأس العالم.

ويرى خبراء أن النظام الموسع لبطولة كأس العالم لا يقتصر تأثيره على زيادة عدد المباريات بل يفرض أيضا تغييرا واضحا في طريقة تفكير المنتخبات الكبرى خلال مشوار البطولة.

إذ أصبحت الأولوية لدى الأجهزة الفنية تتمثل في الحفاظ على الجاهزية البدنية للاعبين وإدارة المجهود على مدار المنافسات بدلا من استنزاف الفريق منذ الأدوار الأولى.

وقال أستاذ دراسات الرياضة الأفرو-أوراسية سيمون تشادويك: “إن النظام الجديد ربما يكون قد بدأ بالفعل في تغيير أسلوب تعامل المنتخبات مع المباريات”.

وأوضح أن المنتخب الإنجليزي قدم مثالا واضحا على ذلك إذ ظهر في بعض الفترات أكثر تحفظا في طريقة لعبه خاصة خلال مباراتي دور المجموعات أمام غانا وبنما وكذلك مواجهة الكونغو الديمقراطية ضمن دور الـ32.

وأشار تشادويك إلى أن هذا النهج لم يكن مصادفة بل جاء نتيجة إدراك الأجهزة الفنية لأهمية إدارة المجهود البدني في بطولة أصبحت أطول وأكثر استنزافا من أي وقت مضى.وهذا ما يدفع المدربين إلى تقليل المخاطرة والحفاظ على طاقة اللاعبين استعدادا للمراحل الحاسمة.

ورغم أن النظام الجديد يزيد من احتمالات حدوث نتائج غير متوقعة فإن الخبراء يؤكدون أن مواصلة هذه المفاجآت حتى نهاية البطولة تبقى مهمة شديدة الصعوبة.

وقال الأستاذ الفخري في الإدارة الرياضية بجامعة ميشيغان ستيفان شيمانسكي: “إن زيادة عدد المنتخبات المشاركة تعني بطبيعة الحال ارتفاع احتمالات حدوث مفاجآت في بعض المباريات إلا أن الطريق نحو التتويج أصبح أكثر تعقيدا”.

وأوضح أن أي منتخب يرغب في الفوز باللقب بات مطالبا بخوض خمس مباريات متتالية في الأدوار الإقصائية. وهو ما يجعل استمرار المنتخبات الأقل تصنيفا بتحقيق الانتصارات المتتالية أمرا بالغ الصعوبة ويعزز فرص المنتخبات الكبرى الأكثر استقرارا وخبرة.

وفي السياق ذاته يرى أستاذ التاريخ بجامعة ولاية ميشيغان ومؤلف عدد من الكتب المتخصصة في كرة القدم الأفريقية بيتر أليغي أنه لا يزال الحديث عن تغير ميزان القوى العالمي نتيجة توسيع البطولة سابقا لأوانه.

وأوضح أن زيادة عدد المنتخبات المشاركة لا تعني بالضرورة تراجع الهيمنة التاريخية لمنتخبات أوروبا وأمريكا الجنوبية مشيرا إلى أن هذه القوى التقليدية لا تزال تمتلك المقومات التي تؤهلها للسيطرة على الأدوار النهائية للبطولة.

المغرب يواصل كسر القاعدة.

ويعد المنتخب المغربي أبرز استثناء في هذه المعادلة بعدما نجح خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ مكانته بين كبار المنتخبات العالمية بفضل مشروع طويل الأمد يعتمد على الاستثمار الحكومي لتطوير المواهب الشابة والبنية الأساسية لكرة القدم.