شموع ومذابح ومقاعد ثابتة… هكذا يسعى الأرجنتينيون لجلب الحظ.

قد يرتبط الأمر بمكان معين، أو وضعية جلوس، أو الرفقة التي تشاهد المباراة معها، أو حتى الملابس التي ترتديها. فالأرجنتينيون لا يمزحون بشأن الـ«كابالاس»، وهي طقوس يُعتقد أنها تجلب الحظ، ويزداد تمسكهم بها أكثر من أي وقت عندما يتعلق الأمر بمواجهة إسبانيا في سعيهم لإحراز لقب عالمي رابع.

ولم تكن مباراة نصف النهائي التي حُسمت بصعوبة أمام إنجلترا الأربعاء (2 – 1) استثناءً عن هذه القاعدة. ومن المتوقع أن تتكرر الطقوس نفسها الأحد في النهائي، مهما بدت غريبة أو طريفة، ضمن نوع من الميثاق مع الحظ.

ويعترف أندريس غونساليس، وهو محاسب يبلغ 43 عاماً، الخميس، ولا يزال تحت تأثير مشاعره الجياشة: «أنا مريض بكرة القدم». يتابع المباريات عبر التلفزيون في منزله بحي لينييرس في بوينس آيرس، لكن ليس بأي طريقة.

ويشرح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «في منزلي، لا يغيّر أحد مكانه الذي كان يجلس فيه في المباراة السابقة»، حيث فازت الأرجنتين آنذاك.

ويضيف: «وإذا ذهبت إلى الحمام وسجلت الأرجنتين هدفاً أثناء غيابك، فإننا نحبسك هناك. وتبقى في مكانك حتى نهاية المباراة»، مؤكداً ذلك بنبرة جادة.

جماهير الأرجنتين تحتفل في بوينس آيرس بتأهل منتخبها إلى نهائي كأس العالم 2026 (إ.ب.أ).

أما إستيلا فارغاس، وهي بائعة تبلغ 65 عاماً، فتؤكد أن الجميع يرتدون الملابس نفسها ويجلسون في المقاعد ذاتها، فيما يُبقى الكلب خارج المنزل.

وتقول: «أمام إنجلترا، وبما أن الكلب من فصيلة البولدوغ الإنجليزي، ألبسناه قميص المنتخب الأرجنتيني ووضعناه في بيته بالفناء. ولذلك، سواء أمطرت السماء أم هبت الرياح، سيبقى خارج المنزل أمام إسبانيا».

ويعترف رودريغو سيرنا، وهو طفل في الحادية عشرة من عمره ومن عشاق ميسي، بأنه «يجمّد» المنافسين. ويقول: «آخذ دمية للاعب المنافس وأضعها في الثلاجة. جدي هو من علّمني ذلك».

ولا مجال للمزاح مع الـ«كابالاس»، سواء كانت قديمة أم مستحدثة استناداً إلى نتائج المباريات الأخيرة. فهي تتجاوز الفوارق الاجتماعية؛ إذ يمارسها المشجع البسيط كما تُمارس في أعلى هرم السلطة.

فحتى الرئيس خافيير ميلي أعلن الخميس أنه «لن يذهب إطلاقاً» إلى الولايات المتحدة لحضور النهائي الأحد؛ بل سيتابعه عبر التلفزيون مثل بقية مباريات الأرجنتين منذ انطلاق كأس العالم من قاعة العرض بالمقر الرئاسي في أوليفوس برفقة شقيقته كارينا الأمينة العامة للرئاسة.

وعندما سأله صحافي إذا كان ذلك «كابالا»، أجاب: «نعم».

كما كشف عن طقس آخر يعدّه جالباً للحظ خلال البطولة؛ إذ سيشاهد المباراة النهائية مرتدياً سترة سميكة لشركة النفط «واي بي إف»، كان يرتديها خلال مباراة ربع النهائي أمام سويسرا (3 – 1).

وروى الرئيس: «بما أن الطقس كان بارداً (الأرجنتين حالياً في فصل الشتاء الجنوبي)، ولأنني لا أشغّل التدفئة، ارتديت سترة شركة النفط التي جعلتني أشعر بحر شديد يوم مباراة سويسرا». وأضاف: «عندما نزعتها تلقينا هدفاً؛ لذا أعدت ارتداءها ولم أنزعها بعد ذلك».

ويشرح عالم الاجتماع دييغو مورسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «(الكابالاس) تمثل جزءاً راسخاً جداً من عالم كرة القدم وهي مرتبطة بعالم الطقوس الشعبية والقديسين والأصنام مثل دييغو مارادونا منذ وفاته عام 2020». ويحلل قائلاً: «في كرة القدم لا يشعر الأرجنتيني بأنه مجرد متفرج بل فاعل في الحدث و(الكابالاس) جزء من ذلك لأنها تمنحه شعوراً بالمساهمة في جلب الحظ».

وفي حي فيا ديفوتو الشعبي حيث عاش مارادونا طفولته يتكرر الطقس ذاته مع كل مباراة لـ«ألبيسيليستي»: شموع وأعلام وقمصان وصور موضوعة على مذبح شعبي مكرّس للأسطورة التي رفعت كأس العالم عام 1986.

ويستعيد دييغو مورسي حكاية كارلوس بيلاردو مدرب المنتخب الأرجنتيني المتوج بمونديال 1986؛ ففي أول مباراة له مع المنتخب رن الهاتف في غرفة الملابس فرفع أحد اللاعبين السماعة لكن لم يكن هناك أحد على الخط.

جماهير الأرجنتين ترفع أعلاماً تحمل صورتي ليونيل ميسي ودييغو مارادونا (رويترز).

ويضيف: «رأى بيلاردو ذلك وبما أن الأرجنتين فازت صار يحرص قبل كل مباراة على أن يتصل شخص ما بذلك الهاتف وأن يجيب اللاعب نفسه وألا يرد أحد عليه».

وتتداخل مع الـ«كابالاس» مفاهيم «الموفا»؛ أي القوى السلبية المزعومة التي يُعتقد أنها تنشأ مثلاً عند الإدلاء بتعليقات أو توقعات متفائلة بشأن مباراة مقبلة. ولذلك يكرر كثير من الأرجنتينيين خلال كأس العالم عبارة «أنولو موفا» (ألغِ النحس) بشكل متواصل إلى درجة تجعل من شبه المستحيل معرفة رأيهم الحقيقي بشأن مباراة مصيرية مقبلة.

وهناك أيضاً «الوعود» التي يقطعها البعض على أنفسهم أو على قوة كونية مفترضة طمعاً في نتيجة معينة. ومن بين هؤلاء إلينا ولولا خيمينيس الشقيقتان البالغتان 23 و19 عاماً اللتان تابعتا مباراة نصف النهائي الأربعاء في أحد المطاعم الشعبية ببوينس آيرس. تجلس إلينًا دائماً إلى يمين لولا وتقول: «دائماً دائماً إلى اليمين». وتضيف: «في عام 2022 وعدت نفسي بأن أضع وشماً إذا فزنا وقد فزنا وها هو»، مشيرة إلى وشم على ربلة ساقها اليمنى يحمل تاريخ “18 – 10 – 2022” وهو تاريخ النهائي.
ولا يمكن سؤالها إن كانت تأمل بإضافة وشم جديد على ساقها الأخرى لأن ذلك سيكون بمثابة “موفا”.