تواجه كأس العالم 2026، التي ستقام في الولايات المتحدة الأمريكية بالتعاون مع كندا والمكسيك، انتقادات حادة قبل انطلاقها، حيث زادت الشكوك حول نزاهة الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” برئاسة السويسري جياني إنفانتينو.

بلغت تلك الشكوك ذروتها بعد مباراة المنتخب المصري ضد الأرجنتين، التي شهدت تحيزًا واضحًا لأحد الفريقين، مما دفع الكثيرين لاتهام إنفانتينو بشكل صريح، حيث لم يترك مجالاً لتبرئة ذمته خلال البطولة، بل واصل تلطيخ صورته بقرارات وتصريحات مثيرة للجدل.

بدأت التصريحات المثيرة للجدل في أبريل الماضي حين أكد إنفانتينو أن كأس العالم هو المنفذ الوحيد لفيفا لجني الأموال. وعندما تم مواجهته بارتفاع أسعار التذاكر بشكل مبالغ فيه، قال: “كأس العالم هو الحدث الوحيد الذي يُدرّ أموالًا للاتحاد الدولي لكرة القدم. هذه البطولة تقام لمدة شهر واحد كل أربع سنوات، ولذلك لا تدخل لنا أي أرباح إلا في ذلك الشهر، بينما ننفق الأموال خلال الأشهر الـ47 التالية”.

ولم تكن تصريحات إنفانتينو مثيرة للجدل فحسب، بل كانت مستفزة لوسائل الإعلام وجمهور كرة القدم. بعد أزمة التأشيرات التي اندلعت قبل بداية البطولة، كان رده على الجماهير هو “علينا أن نهدأ ونسترخي”. اعتُبر هذا التصريح غير مناسب تمامًا في ظل فقدان العديد من الجماهير فرص حضور هذا الحدث الاستثنائي الذي لا يتكرر كل يوم، رغم استثمارهم الكثير من أجل الحضور.

لم تقتصر مشكلة التأشيرات على الجماهير فقط، بل طالت أيضًا أفراد المنظومة الرياضية. فقد مُنع الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان من دخول أمريكا رغم حيازته تأشيرة سارية. حتى ذلك لم يُشفع له وتم ترحيله إلى بلاده.

وصل الأمر إلى حرمان بعثة منتخب كاملة من إقامة معسكرها بالولايات المتحدة. إذ اضطر المنتخب الإيراني لإقامة معسكره بالمكسيك رغم أن جميع مبارياته كانت بأمريكا، مما أجبرهم على دخول البلاد فقط يوم المباراة ومغادرتها في نفس اليوم، وهو ما يعد انتهاكًا لمبدأ تكافؤ الفرص.

ولم يُبدِ إنفانتينو نية حقيقية لحل هذه المشكلة الكبيرة واكتفى بالتأكيد على أن هذه الأمور تعود للحكومات المنظمة للبطولة وأن الاتحاد الدولي لا يستطيع التدخل أو إبداء رأي بشأن دخول الأفراد إلى البلاد.

قرار توسيع البطولة لتحتوي 48 منتخبًا بدلًا من 32 يعد من أكبر القرارات المتعلقة بإنفانتينو. حيث أكد أنه يمنح دولًا من قارات أقل تمثيلاً مثل آسيا وأفريقيا وأوقيانوسيا فرصة أكبر للظهور وإثبات أحقيتها بمقاعد أكثر في المحفل العالمي. لكن التكهنات الإعلامية والجماهيرية تشير إلى أن هذه الخطوة تجارية بامتياز.

مع زيادة عدد المنتخبات ستزيد عدد المباريات إلى 104 بدلاً من 64 وبالتالي سيزداد عدد التذاكر المباعة وحقوق البث والإعلانات. وقد ظهر ذلك جلياً في هذه النسخة حيث لم نشهد يومًا واحدًا منذ انطلاق دور المجموعات وحتى آخر مباراة من دور الستة عشر دون مباريات.

ومع كثرة المنتخبات زادت حقوق البث والرعاية والإعلانات التجارية. لذلك استحدث الاتحاد الدولي لأول مرة استراحة لمدة ثلاث دقائق خلال كل شوط ليتمكن اللاعبون من أخذ قسط من الراحة. وهذه الاستراحة ليست مرتبطة بدرجة الحرارة أو ظروف المباراة بل هي إلزامية بغض النظر عن الأجواء المحيطة وتستخدم لفواصل إعلانية تعتبر سابقة تاريخية.

اعتبر الكثيرون أن تلك الاستراحات حولت المباراة إلى أربع أشواط وقد تؤثر على سير الأحداث الطبيعية للقاء وتُرجح كفة فريق على آخر. كما أشارت تقارير إلى أن تلك الفواصل تعود بأرباح تصل لمئات الآلاف من الدولارات.

أما نظام بيع تذاكر كأس العالم 2026 فقد أصبح أحد أكثر الملفات المثيرة للجدل. اعتمد الفيفا نظام “التسعير الديناميكي” الذي يجعل سعر التذكرة يتغير بحسب الطلب عليها، مما يعني أن المشجع قد يجد سعر التذكرة يتراوح بين 100 دولار صباحًا و500 دولار مساءً.

بدلاً من السعي للحد من المضاربات وإعادة بيع التذاكر بالسوق السوداء، قرر إنفانتينو الاستفادة بنفسه من العوائد المالية العالية الناتجة عن ذلك النظام مما أدى لارتفاع أسعار بعض التذاكر إلى آلاف الدولارات وجعل المشجع العادي عاجزاً عن حضور المباريات.

هذا النظام يُعتبر فاسدًا لأنه يعتمد على زيادة الطلب؛ فكلما كانت المباريات بين منتخبات قوية زادت أسعار التذاكر بشكل كبير مما يثير تساؤلات حول رغبة الفيفا في وصول المنتخبات الكبيرة فقط للأدوار المتقدمة.

وعند الحديث عن إنفانتينو تظهر علاقته الغريبة برئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب بشكل واضح. حيث ظهرا معًا في مناسبات رياضية وسياسية عديدة مما أثار ريبة البعض حول طبيعة هذه العلاقة.

بدأت العلاقة تُنظر إليها كعلاقة انتفاع سياسي وتجاري عندما منح إنفانتينو ترامب جائزة سلام جديدة خلال مراسم قرعة كأس العالم في ديسمبر 2025 وهو ما أثار جدلاً واسعاً خاصةً وسط النزاعات السياسية العالمية التي تُعتبر أمريكا طرفاً فيها غالباً.

كما تجلت محاباة إنفانتينو لترامب بعد عدم تدخله بأزمة التأشيرات السابقة وظهرت تصريحاته وكأنها استهانة بالأمر دون رد فعل يليق بمكانته كرئيس للفيفا.

وأصبح موقف إنفانتينو غير قابل للاعتقاد بحسن النية بعد رفع البطاقة الحمراء عن مهاجم المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون عقب مكالمة هاتفية أجراها ترامب معه حيث أكد الأخير أنه تحدث مع إنفانتينو شخصيًا حول الواقعة رغم تأكيد الأخير على عدم تأثير المكالمة على القرار وأنه جاء عبر لجنة مستقلة مختصة بالفيفا.

بعد قرار رفع الطرد عن اللاعب الأمريكي طالب البرلمان الأوروبي بفتح تحقيق شامل مع جياني إنفانتينو معتبرين الواقعة تمس مبدأ استقلال الفيفا عن التدخلات السياسية كما أبدى الاتحاد البلجيكي والاتحاد الألماني اعتراضهما الواضح على القرار مطالبين بتوضيح سريع لهذا الأمر لضمان عدم وجود انطباع بالتدخل السياسي في القرارات الرياضية.

وانتفخت الانتقادات الموجهة للفيفا ورئيسه بعد مباراة مصر والأرجنتين التي شهدت ظلمًا صارخاً تجاه المنتخب المصري والذي وصفته وسائل الإعلام العالمية بأنه أكبر سرقة بتاريخ كأس العالم مشيرين إلى تحيز الفيفا لصالح المنتخبات الكبيرة وزيادة فرصها للتقدم بالبطولة.

يجدر بالذكر أن جوزيف بلاتر الرئيس السابق للفيفا بدأ أيضاً بالتكهنات حول أسلوب إدارته وواجه انتقادات عديدة أدت إلى أكبر فضيحة مؤسساتية بتاريخ الفيفا فهل سيتكرر الأمر ذاته مع إنفانتينو قريباً؟