مع حلول شهر ربيع الأول من كل عام، واحتفالًا بالمولد النبوي الشريف، تتحول قرية منشأة العماري شمال مدينة الأقصر إلى ساحة مفتوحة للفروسية، لتستعيد واحدة من أشهر وأقدم مظاهر التراث الشعبي في صعيد مصر، وهي “مرماح الخيل”.

ويمثل المرماح موروثًا اجتماعيًا وثقافيًا ارتبط على مدار أجيال بالفروسية والمهارة والاعتزاز بالعائلة، حتى أصبح موعدًا ينتظره الفرسان ومحبو الخيول من مختلف قرى الأقصر ومحافظات الصعيد.

150 عامًا من الفروسية

يقول محمد عبداللطيف العماري، أحد منظمي المرماح وأبناء المنطقة، إن تقليد مرماح منشأة العماري يعود إلى نحو 150 عامًا، وظل حاضرًا في احتفالات القرية بالمولد النبوي الشريف عبر الأجيال.

وأضاف العماري أنه مع بداية شهر ربيع الأول تبدأ الاستعدادات لاستقبال الخيالة، حيث تتوافد الخيول والفرسان إلى منشأة العماري لتقام حلقات المرماح وسط حضور جماهيري كبير، في مشهد يجمع بين الاحتفال الشعبي والفروسية والتراث الصعيدي.

تمتد الاحتفالات في منشأة العماري لنحو 12 يومًا، وتشهد إلى جانب المرماح حلقات التحطيب والدورة وأجواء المولد الشعبي، مما يجعل المناسبة تجمعًا اجتماعيًا وثقافيًا يتجاوز مجرد المنافسة على ظهور الخيل.

فرسان من مختلف محافظات الصعيد

لا يقتصر المرماح على أبناء منشأة العماري وحدهم، بل يستقبل فرسانًا من قرى ومدن الأقصر ومحافظات الصعيد المجاورة.

وقال بدري عبدالكريم، أحد الفرسان القادمين من مركز قفط بمحافظة قنا للمشاركة في المرماح: “تمثل المناسبة فرصة للقاء محبي الخيل والفروسية والاحتفال بالمولد النبوي”.

وهكذا يتحول الميدان إلى نقطة تجمع لفرسان الصعيد، يحمل كل منهم خبرته وحصانه، في مشهد يعكس مكانة الخيل في الثقافة الشعبية لأبناء الجنوب.

ما هو المرماح؟

قال مصطفى بدراوي العماري، أحد منظمي المرماح: “المرماح هو استعراض لفنون الفروسية وركوب الخيل، يجمع بين السرعة والمهارة والسيطرة على الحصان. عادة ما تقام فعالياته في حلقات أو ميادين مفتوحة”.

وأضاف بدراوي أن الفرسان يستخدمون العصا في بعض الاستعراضات، بينما تصاحب المنافسات أصوات المزمار البلدي لتكتمل الصورة التي تجمع بين الفروسية والموسيقى الشعبية والاحتفال.

ومن مهارات المرماح المتداولة بين الفرسان: التقطيع والمشالاة والرماحة والمبارزة، وهي حركات تتطلب قدرة كبيرة على التحكم في الحصان والحفاظ على التوازن أثناء الحركة. وفي الماضي ارتبطت بعض هذه الاستعراضات باستخدام الرماح قبل أن تحل العصا محلها في العديد من الفعاليات الحديثة.

في الثقافة الصعيدية لا يُنظر إلى الفارس باعتباره شخصًا يركب حصانًا فقط وإنما يمثل غالبًا عائلته وسمعتها في ميدان الفروسية. ولهذا ارتبط المرماح تاريخيًا بالفخر والمنافسة بين العائلات والقبائل، وأصبح تفوق الفارس ومهارته مصدر اعتزاز لأسرته.

المولد النبوي يحافظ على الموروث

ارتباط المرماح بالمولد النبوي في منشأة العماري جعل المناسبة جزءًا من ذاكرة الأهالي. فمع حلول ربيع الأول تتجمع العائلات والأطفال والشباب ومحبو الخيل بينما تتزين المنطقة بأجواء الاحتفال الشعبي.

تشهد القرية خلال هذه الفترة مظاهر أخرى مثل التحطيب والأسواق الشعبية وحلوى المولد والأطعمة والألعاب ومستلزمات الخيول. وهكذا يظل مرماح منشأة العماري شاهدًا على موروث صعيدي ممتد تتوارثه الأجيال وتحافظ عليه وسط أجواء المولد النبوي التي تجمع بين الاحتفال الشعبي والتراث المتوارث.