قوت القلوب: كتاب أثار الضجة، وشخصية لم يعرفها كثيرون
حين يتحول الجدل إلى فرصة للبحث عن الحقيقة، منذ أن أصبح اسم “قوت القلوب” حاضرًا بقوة في المشهد الثقافي والإعلامي بعد الجدل الذي أثاره كتاب الدكتورة جيهان زكي، ثم ما تبع ذلك من أحداث، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى ساحة واسعة للنقاشات والتعليقات.
لكن اللافت في هذا الجدل أن كثيرًا ممن تحدثوا عن الكتاب لم يقرأوه، وكثيرًا ممن أصدروا أحكامًا على مضمونه لم يطلعوا على صفحاته، فأصبح العنوان أكثر شهرة من المحتوى، وأصبح اسم الشخصية التاريخية متداولًا بين الآلاف، بينما ظلت حقيقتها غائبة عن كثير ممن يكتبون عنها.
وهنا يجب أن نوضح أننا لا نتحدث عن حكم قضائي؛ فالأحكام عنوان الحقيقة القانونية، ونكن كل الاحترام والتقدير للقضاء المصري وأحكامه، كما نحترم ونقدر موقف الدكتورة جيهان زكي من تقديم استقالتها، فهذا شأن له مساره القانوني والمؤسسي.
لكن حديثنا هنا ليس عن أوراق القضية، فنحن لسنا قضاة، ولا نملك ملف الدعوى أو تفاصيل المرافعات، وإنما نتوقف أمام ظاهرة ثقافية تستحق التأمل: كيف يحكم البعض على كتاب لم يقرأه؟ وكيف يصدرون أحكامًا على شخصيات تاريخية لا يعرفون عنها سوى اسمها الذي ظهر في الأخبار؟
فالثقافة لا تُبنى على العناوين المثيرة ولا على المنشورات السريعة، وإنما على القراءة والبحث والتحليل.
وكان محور الجدل يدور حول كتاب “كوكو شانيل وقوت القلوب.. ضفائر التكوين والتخوين” للدكتورة جيهان زكي، والشكوى التي تقدمت بها الكاتبة والباحثة سهير عبد الحميد، صاحبة كتاب “سيدة القصر.. اغتيال قوت القلوب الدمرداشية”، في إطار نزاع يتعلق بحقوق الملكية الفكرية وهو نزاع أخذ مساره أمام الجهات القضائية المختصة.
ونحن هنا لا نخوض في تفاصيل القضية أو تقييم الحكم؛ فهذا اختصاص القضاء وحده. وإنما نتوقف عند الشخصية التي أعادت القضية اسمها إلى الواجهة: قوت القلوب الدمرداشية.
من هي قوت القلوب الدمرداشية؟
قوت القلوب الدمرداشية ليست شخصية خيالية في رواية وليست اسمًا ظهر بسبب الجدل الأخير بل هي شخصية مصرية حقيقية عاشت في مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين.
تنتمي إلى أسرة الدمرداش إحدى الأسر المعروفة في ذلك العصر وعاشت في زمن كانت فيه الطبقة الأرستقراطية المصرية حاضرة بقوة في الحياة الاجتماعية والثقافية.
وقد ارتبط اسمها بأحداث ووقائع إنسانية واجتماعية جعلتها مادة للبحث والدراسة؛ لأن حياة الشخصيات التاريخية لا تكمن فقط في شهرتها وإنما في قدرتها على كشف ملامح عصر كامل.
فقوت القلوب كانت جزءًا من مرحلة شهدت تحولات كبرى في مصر؛ مرحلة نهاية عالم القصور وتغير شكل المجتمع وصعود أفكار جديدة حول المرأة والسلطة والمكانة الاجتماعية.
بين الكتاب والضجة
المفارقة أن الضجة التي أعادت اسم قوت القلوب إلى دائرة الضوء لم تجعل الكثيرين يعرفونها بل جعلتهم يتابعون الجدل حولها فقط. لقد أصبحنا نعيش زمنًا تنتشر فيه الآراء أسرع من المعرفة ويصدر البعض أحكامًا قبل القراءة ويناقشون كتبًا لم يفتحوا صفحاتها وكأن العنوان أصبح بديلًا عن المحتوى.
والكتاب أي كتاب يجب أن يُناقش بالقراءة والنقد العلمي لا بالانطباعات السريعة. فالاختلاف حول الأفكار أمر طبيعي لكن الحكم على عمل فكري يحتاج إلى معرفة حقيقية.
التاريخ لا يُكتب من داخل القصور فقط
لكن إذا كانت قوت القلوب الدمرداشية تمثل جانبًا من عالم الأرستقراطية المصرية فإن التاريخ لا يُكتب فقط من داخل القصور ولا تُروى حكاياته دائمًا من خلف الأبواب المغلقة للطبقات الثرية. هناك تاريخ آخر كُتب بدموع الفقراء ووجع المهمشين؛ تاريخ أناس لم تعرف أسماؤهم صالونات النخبة لكنهم كانوا جزءًا من روح مصر الحقيقية.
لقد استطاع الأدب المصري في القرن العشرين أن يمنح هؤلاء صوتًا فكتب عن الفلاح البسيط والعامل والفقير والإنسان الذي يعيش على هامش الحياة. وكان يوسف إدريس واحدًا من أبرز من اقتربوا من هذا العالم فكتب عن القاع الاجتماعي بصدق إنساني عميق وكانت أعماله ومنها قصة “الحرام” شهادة أدبية على معاناة الإنسان المهمش لا مجرد حكاية عابرة.
فالتاريخ المصري لا يمكن قراءته من خلال قصور الملكية والطبقات الخاصة فقط بل يجب أن يُقرأ أيضًا من الحقول ومن بيوت الفلاحين ومن حياة عمال التراحيل والغُرباء وأهل العزب والوسايا الذين حملوا فوق أكتافهم عبء الحياة دون أن تذكرهم كتب السلطة.
إن مصر ليست فقط تاريخ من عاشوا في القصور بل أيضًا تاريخ من عاشوا في الظل. هناك قوت القلوب في عالم الأرستقراطية وهناك آلاف القلوب التي نزفت بصمت في عالم المهمشين وكان الأدب هو الذي منحها صوتًا بعد أن غاب عنها التاريخ الرسمي. فالتاريخ لا يكتبه أصحاب النفوذ فقط بل تكتبه أيضًا دموع الذين لم يسمعهم أحد.

كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية والصراعات الدولية.