أعاد خروج المنتخب الأميركي المبكر من كأس العالم تسليط الضوء على التساؤلات المتعلقة بمنظومة تطوير المواهب في البلاد، حيث تسعى الولايات المتحدة للحاق بمنتخبات الصفوة التي لا تعاني من نقص في اللاعبين الموهوبين.
لم ينجح المنتخب الأميركي في بلوغ دور الثمانية في كأس العالم منذ عام 2002، وقد أعاد خروجه من دور الـ16 هذا العام إحياء جدل قديم: لماذا تفشل أغنى دولة في العالم، وأحد أكبر دوله مساحة وسكاناً، في منافسة المنتخبات الكبرى؟
صرح دان هيلفريش، المدير التنفيذي للعمليات في الاتحاد الأميركي لكرة القدم، لوكالة رويترز قائلاً: “نحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة لمنظومة كرة القدم للشباب في بلادنا”.
وأضاف: “هذا يتطلب كل شيء، بدءاً من خفض التكاليف وإزالة الحواجز التي تحول دون المشاركة، وصولاً إلى توسيع نطاق الوصول إلى اللعبة عبر مختلف المناطق. نحن نتحدث عن دولة شاسعة لا يزال مستوى المشاركة فيها غير متسق”.
افتتح الاتحاد الأميركي لكرة القدم أول مركز تدريب وطني دائم له في فايتفيل هذا العام، بعد عقود من اعتماد كبرى الاتحادات الأوروبية لهذا النموذج. وتعتبر هذه الخطوة الأولى التي “تمتلك فيها كرة القدم الأميركية قطعة أرض خاصة بها”، وفق ما صرح به المدير العام للمركز توم نورتون لوكالة رويترز.
وأوضح هيلفريش أن المنشأة التي أُنشئت بتمويل قدره 50 مليون دولار من آرثر بلانك، مالك أحد فرق دوري كرة القدم الأميركية، ستكشف خلال الأشهر المقبلة عن خطط لاستضافة أكاديميات النخبة ومختلف المنتخبات الوطنية للناشئين والشباب.
وقال: “التشتت القائم في بطولات الشباب داخل البلاد يتطلب مزيدًا من التوحيد والتنسيق. لدينا خطة متكاملة عملنا عليها لفترة وسنطلقها قريبًا لمعالجة قضايا التكلفة وإتاحة الفرص والتنسيق”.
تقع هذه التكاليف في صميم الجدل الدائر حول نموذج “الدفع مقابل اللعب” في كرة القدم الأميركية، وهو جدل عاد إلى الواجهة مجددًا عقب خروج الولايات المتحدة، إحدى الدول المستضيفة للبطولة، من كأس العالم بعد خسارتها الكبيرة 4-1 أمام بلجيكا.
قال لاندون دونوفان، أحد أبرز نجوم المنتخب الأميركي السابقين، خلال حديثه في بودكاست “ذا ليت رن”: “لم يكن هناك أي فرصة” لممارسة كرة القدم أثناء مراحل الناشئين لو كانت عائلته مطالبة بتحمل التكاليف المرتفعة السائدة حاليًا. حيث تفرض الكثير من الأكاديميات المتميزة رسومًا باهظة.
وأشار السناتور الأميركي كريس ميرفي لوكالة رويترز إلى أن “هناك أزمة حقيقية في رياضات الشباب اليوم. وإذا أردت ممارسة الرياضة في هذا البلد، فأنت بحاجة بشكل متزايد إلى الانتماء إلى أسرة ذات دخل مرتفع”.
كان ميرفي قد قدم مشروع قانون مشترك بين مجلسي النواب والشيوخ في مايو (أيار) يهدف إلى إخراج شركات الاستثمار الخاص من قطاع الرياضة الشبابية. وقد حمّل هذا القطاع جزءًا من مسؤولية ارتفاع التكاليف، مشيرًا إلى أن متوسط إنفاق الأسرة على الأنشطة الرياضية يتجاوز خمسة آلاف دولار سنويًا.
من شأن مشروع قانون “دعوا الأطفال يلعبون” إلزام شركات الاستثمار الخاص بالتخارج من هذا القطاع.
ومع ذلك، حذر ميرفي من النظر إلى الرياضة الخاصة بقطاعات الشباب بوصفها مجرد وسيلة لإنتاج أبطال أو تحقيق نتائج تنافسية.
قال: “الطريقة الصحيحة لإصلاح الرياضة الشبابية تتمثل بصراحة في توفير تجارب أقل احترافية وأكثر قربًا للطابع الترفيهي وبتكاليف أقل، وليس بزيادة الإنفاق أو تحميل الحكومة أعباءً إضافية”.
يعتبر ميرفي واحدًا من العديدين الذين يرون أن النموذج النرويجي يعد مثالاً يحتذى به؛ حيث تتبنى الدولة نهجًا يحدّ من الضغوط التنافسية على الأطفال.
بلغت النرويج دور الثمانية لكأس العالم للمرة الأولى هذا العام بعد جيلين من تطبيق وثيقة “حقوق الأطفال في الرياضة” التي تضمن حق الأطفال في ممارسة الأنشطة الرياضية وتحظر تسجيل النتائج أو نشر جداول الترتيب للأطفال دون سن الحادية عشرة.
قال جون سولومون، مدير الأبحاث في برنامج الرياضة والمجتمع بمعهد “أسبن”: “هناك سياسات واضحة وأهمها وجود آليات تنفيذ محددة يمكن ربطها بالتمويل؛ لأن المنظومة هناك أكثر تنظيماً وتعتمد على دعم حكومي واضح”.
أضاف: “الأمر يتعلق أيضًا بمنح الأطفال ما يحتاجونه ويرغبون فيه خلال مراحل نموهم المناسبة”.
وجد معهد “أسبن” غير الربحي الذي مقره واشنطن أن الأسر الأميركية أنفقت عام 2024 ما يزيد بنحو 46% على الرياضة الرئيسية لأطفالها مقارنة بعام 2019 رغم تراجع معدل المشاركة الإجمالي من 56.1% إلى 54.6%.
قال سولومون: “لا أعتقد أن النموذج الذي نتبعه حالياً سيقودنا إلى نجاح كبير. نحن متأخرون كثيراً عن دول أخرى وثقافة كرة القدم ليست متجذرة هنا كما ينبغي”.
يرى آلان روثنبرغ، الرئيس السابق للاتحاد الأميركي لكرة القدم، أن استضافة كأس العالم على الأراضي الأميركية تمثل فرصة لصناعة جيل جديد من اللاعبين على غرار دونوفان الذي استلهم شغفه باللعبة عندما شاهد البطولة التي أشرف روثنبرغ على تنظيمها عام 1994.
قال روثنبرغ مشيداً بمركز التدريب الوطني الجديد: “لقد أسهمت كأس العالم بشكل كبير في رفع مستوى الوعي بهذه الرياضة مما يشجع الرياضيين الشبان الموهوبين على منح كرة القدم اهتماماً أكبر”.
Aضاف: “سيكون بمقدورهم جمع فرق الشباب المتفرقة واللاعبين المحترفين رفيعي المستوى تحت سقف واحد ليتدرب الجميع ويتفاعلوا معاً ويطوروا منظومة مشابهة لتلك التي فعلتها فرنسا وإسبانيا”.
كان الاتحاد الأميركي لكرة القدم قد أعلن عبر مؤسسة “سوكر فوروارد” عن مبادرة لتوسيع الوصول إلى الملاعب والمرافق التي تتيح للشباب والمجتمعات المحلية ممارسة كرة القدم.
قال روثنبرغ: “علينا أن نتجاوز نموذج الدفع مقابل اللعب السائد حالياً؛ لأنه يعني عملياً أن أبناء الطبقة المتوسطة وما فوقها هم الأكثر ممارسة لكرة القدم رغم أنهم ليسوا بالضرورة الأكثر احتمالاً للوصول للاحتراف”.
اختتم حديثه قائلاً: “هناك ملايين الرياضيين الشبان الموهوبين الذين يمارسون كرة القدم بصورة غير منظمة أو بطريقة مستقلة نسبياً وعلينا إيجاد السبل للاستفادة من هذه المواهب”.

