في مثل هذا اليوم من عام 946، توفي محمد بن طغج الإخشيد، مؤسس الدولة الإخشيدية في مصر والشام، ودفن في بيت المقدس. لم يكن رحيل الإخشيد مجرد غياب لحاكم عسكري برز في أواخر العصر العباسي الثاني، بل كان نهاية مرحلة حاسمة تمكن خلالها قائد طموح من انتزاع استقلال شبه تام لمصر، وتأمين حدودها ضد الأخطار المحدقة بها من الفاطميين غربًا والحمدانيين شمالًا، ممهدًا الطريق لعهده الذهبي الذي أداره لاحقًا كافور الإخشيدي.

من هو محمد بن طغج؟

تعود أصول محمد بن طغج إلى عائلة عسكرية تركية دافعت عن أطراف الخلافة العباسية؛ حيث كان والده طغج بن جف واليًا على دمشق وطبرية. نشأ بن طغج في أروقة الإدارة والعسكر بين الشام ومصر، واكتسب خبرة ميدانية وسياسية واسعة أظهرت حنكته في إدارة الأزمات وقدرته القيادية. عُرف بالصلابة والدهاء السياسي، واستغل حالة الضعف والارتباك التي أصابت الخلافة العباسية في بغداد لبناء نفوذه الشخصي وتأسيس شرعيته العسكرية.

لم يكن طريق الإخشيد إلى ولاية مصر سهلًا؛ إذ كانت البلاد تعاني من الفوضى السياسية والتطاحن الداخلي والتهديد المستمر من الفاطميين في إفريقية (تونس). وفي عام 935، أصدر الخليفة العباسي الراضي بالله قرارًا بتولية بن طغج ولاية مصر، فدخلها وقضى على الفتن وتمكن من دحر الهجمات الفاطمية على الإسكندرية. نتيجة لإنجازاته العسكرية وحفظه للأمن، أنعم عليه الخليفة عام 939 بلقب الإخشيد، وهو لقب ملوك فرغانة العظام ويعني ملك الملوك، ليتخذ منه ومن أبنائه اسمًا لدولتهم المستقلة اسميًا تحت مظلة الخلافة.

خلال سنوات حكمه التي امتدت لنحو أحد عشر عامًا، ركز الإخشيد على تثبيت دعائم دولته وتأمين مجالها الحيوي؛ فضم الشام والحجاز إلى حكم مصر، ليعيد العاصمة الفسطاط كمركز محوري لإدارة الشرق الإسلامي. أسس جيشًا قويًا واهتم بالأسطول البحري، واستطاع الحفاظ على التوازن السياسي في المنطقة عبر موازنة النفوذ مع الحمدانيين في حلب والعباسيين في بغداد.

وعندما شعر بالموت في دمشق عام 946، أوصى بالولاية لابنيه أنوجور وعلي تحت وصاية وقيمومة خادمه وقائده المقرب كافور الإخشيدي، ليترك خلفه دولة راسخة الجوانب استمرت حتى دخول الفاطميين القاهرة عام 969.