تستحضر الذاكرة الوطنية المصرية واحدة من أبرز المحطات المفصلية في المسار السياسي للبلاد عقب ثورة 1919؛ حيث شهد صيف عام 1920 في العاصمة البريطانية لندن جولات من الاجتماعات الرسمية بين وفد اليوم المصري برئاسة سعد زغلول واللجنة البريطانية برئاسة وزير المستعمرات اللورد ميلنر، بهدف صياغة الاعتراف بالاستقلال وبناء علاقة جديدة بين القاهرة ولندن.
مقدمات اللقاء: صمود الشارع يجبر لندن على التراجع
لم يكن جلوس بريطانيا العظمى على طاولة المفاوضات مع سعد زغلول نتيجة تحول دبلوماسي مفاجئ، بل جاء نتيجة تراكم ميداني وسياسي فرضته ثورة 1919 الشعبية. فقد أدركت سلطات الاحتلال بعد مقاطعة الشعب المصري الشاملة للجنة ميلنر، التي أُرسلت للقاهرة لبحث أسباب الاضطرابات، أن تجاوز أحداث اليوم المصري بات أمرًا مستحيلًا. وأي تسوية سياسية لا يوقع عليها سعد زغلول، المفوض شعبيًا، لن تتعدى كونها حبرًا على ورق.
أمام مقاطعة القوى الوطنية للجنة، اضطر اللورد ميلنر إلى دعوة سعد زغلول ورجال أحداث اليوم للحضور إلى لندن لبدء مفاوضات مباشرة ومحاولة التوصل إلى صيغة تنهي الحماية البريطانية وتضمن المصالح الاستراتيجية للإمبراطورية.
أوراق أحداث اليوم المصري: الثوابت الوطنية وحصانة التوكيلات
دخل وفد أحداث اليوم المصري جولات التفاوض مدعومًا بظهير شعبي عريض وتوكيلات رسمية منحته الشرعية الكاملة للمناورة والتحدث باسم الأمة. وقد تلخصت الموقف التفاوضي للوفد في عدة ثوابت لا تقبل التجزئة:.
- الإلغاء التام والمباشر للحماية البريطانية وإعلان استقلال مصر استقلالًا تامًا وناجزًا.
- الجلاء العسكري الكامل للقوات البريطانية عن الأراضي المصرية، ورفض بقاء أي قواعد أو حمايات عسكرية أجنبية داخل البلاد.
- تأكيد السيادة المصرية الكاملة على السودان باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الدولة المصرية وفق الاتفاقيات التاريخية.
- استقلال السياسة الخارجية المصرية وحق القاهرة في التمثيل الدبلوماسي المستقل وعقد المعاهدات دون وصاية أو تدخل من جانب بريطانيا.
كواليس الطاولة: الاستقلال الشكلي وضمانات التاج
شهدت أروقة المباحثات سجالاً حاداً وضغوطاً متواصلة؛ حيث سعى اللورد ميلنر للالتفاف على مفهوم الاستقلال عبر تقديم مشروع معاهدة يمنح مصر استقلالًا اسميًا مع الحفاظ على الهيمنة الفعلية لبريطانيا. وسعت بريطانيا لفرض شروط تضمن لها إدارة السياسة الخارجية لمصر وبقاء قوات عسكرية لحماية قناة السويس والمصالح الأجنبية، إضافة إلى استمرار إدارة وتوجيه الملفات المالية والقضائية عبر مستشارين بريطانيين. وتصدى سعد زغلول لهذه المحاولات بشراسة، متمسكاً بأن التنازل عن هذه الصلاحيات يعني استبدال الحماية الصريحة بحماية مقنعة تحت مسمى الاستقلال.
ماذا أسفرت المباحثات؟ مشروع المعاهدة والرفض الشعبي
أسفرت هذه الجولات الشاقة عن صياغة أولية أطلق عليها مشروع معاهدة زغلول – ميلنر. ورغم أن المشروع تضمن نصاً صريحاً بإلغاء الحماية البريطانية والاعتراف باستقلال مصر، إلا أنه كبّل هذا الاستقلال بقيود شديدة جعلته استقلالاً مقيدًا. وقد رفض سعد زغلول التوقيع النهائي على المشروع بمفرده، واشترط عرض بنود المعاهدة على الأمة المصرية والجمعية التشريعية لاستفتائها. وعندما عُرض المشروع في القاهرة، قوبل برفض واعتراض واسع من القوى الوطنية والشعبية التي رأت في القيود البريطانية مساسًا بجوهر السيادة الوطنية.
وتسببت هذه النتيجة في تعثر المفاوضات لاحقاً، لكنها أرست قاعدة تاريخية مفادها أن الاستقلال الناقص لن يحقق الاستقرار. مما دفع بريطانيا بعد عامين، وتحديداً في عام 1922، إلى إصدار تصريح 28 فبراير الأحادي لإنهاء الحماية وبدء دخول مصر العصر الدستوري والنيابي.

