في مثل هذا اليوم من عام 657 (أواخر صفر عام 37 هـ)، شهدت ضفاف نهر الفرات قرب منطقة صفين واحدة من أشد المعارك وأكثرها تأثيرًا في تاريخ الإسلام. حيث التقى جيش أمير المؤمنين وخليفة المسلمين علي بن أبي طالب مع جيش والي الشام معاوية بن أبي سفيان. لم تكن المواجهة التي امتدت اشتباكاتها لنحو ثلاثة أيام بلياليها مجرد صراع عسكري عابر، بل كانت المحطة الفاصلة التي شكلت ملامح الخلاف السياسي والمذهبي في الدولة الإسلامية لقرون قادمة.
أسباب الصراع بين علي ومعاوية
بدأت الأزمة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، حيث بويع علي بن أبي طالب بالخلافة في المدينة المنورة، وطلب من ولاة الأمصار البيعة لتثبيت أركان الدولة. لكن معاوية بن أبي سفيان في الشام اشترط القصاص الفوري من قتلة عثمان قبل تقديم البيعة.
رفض الإمام علي طلب معاوية بالقصاص الفوري، ليس بسبب تهوينه من دماء الخليفة الشهيد عثمان بن عفان، بل إيمانًا منه بأن الأولوية يجب أن تكون لبسط نفوذ الدولة وإعادة الهيبة لمؤسساتها. كما أن القصاص العاجل في تلك اللحظة كان أمرًا مستحيلًا عمليًا، وسيؤدي حتمًا إلى إشعال فتنة قبلية واسعة النطاق تؤثر على تماسك المجتمع الإسلامي.
كان الإمام علي يرى أن الأولوية يجب أن تكون لتثبيت دعائم الخلافة وانتظام بيعة الأمصار والولايات، وتشكيل إدارة قوية وقضاء متمكن يستطيع التحقيق العادل وتحديد الجناة بأسمائهم. بينما اتخذ معاوية قضية الثأر شرطًا رئيسيًا لتقديم البيعة للخليفة الجديد، وهو ما اعتبره الإمام علي خروجًا عن نظام الخلافة وسلطة ولي الأمر الذي يمتلك الحق في إدارة ملف القصاص وفق أحكام الشرع والقانون.
ومع فشل الرسائل المتبادلة في ردم الفجوة السياسية، خرج جيش الدولة بقيادة علي بن أبي طالب والجيش الشامي بقيادة معاوية بن أبي سفيان للالتقاء في سهل صفين على الضفة الغربية لنهر الفرات.
بعد أسابيع من المناوشات والتفاوض الذي لم يؤدِ إلى نتيجة، اندلعت المعركة الكبرى واستمرت ثلاثة أيام متواصلة من القتال الشرس. شهد اليوم الثالث ما يعرف بـ “ليلة الهرير” حيث اشتد القتال ليلًا حتى الصباح ومالت الكفة لصالح جيش علي بن أبي طالب تحت قيادة القائد الميداني مالك الأشتر، وشارف جيش الشام على الانكسار والتراجع الكامل.
فتنة جيش علي بن أبي طالب
وقبل حسم المعركة عسكريًا، أشار عمرو بن العاص على معاوية برفع المصاحف على أسنّة الرقاب والمطالبة بالتحكيم لكتاب الله لوقف القتال وشق صفوف جيش الخليفة. أحدثت هذه الحيلة انقسامًا فوريًا داخل جيش علي؛ حيث أصرت فئة عريضة على قبول التحكيم وهددت الخليفة بإيقاف القتال.
بينما كان يرى علي أنها خدعة للهروب من الهزيمة. تحت الضغط الداخلي ووقف الأشتر للهجوم، انتهت المعركة دون حسم عسكري وتم الاتفاق على وثيقة التحكيم وتسمية الحكمين أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص. رسمت هذه المعركة بداية نتوء الخوارج وتعميق الانقسام في الجسد الإسلامي؛ إذ عقب التوصل لوثيقة التحكيم ووقف القتال، انشق قسم من جيش علي معترضين على مبدأ التحكيم ومرددين شعارهم الشهير “لا حكم إلا لله” ليعرفوا تاريخيًا بالخوارج.
أدى هذا الانشقاق إلى استنزاف القوة العسكرية والسياسية للخليفة علي؛ حيث اضطر لخوض مواجهة عسكرية ضدهم في معركة النهروان عام 658م لتأمين جبهته الداخلية. بينما كان المعسكر الشامي بقيادة معاوية يزداد تماسكًا وتنظيمًا.
في المقابل، جرت محادثات التحكيم ببطء دون توافق نهائي ينهي النزاع. استغل معاوية هذا الفراغ السياسي للتحرك ميدانيًا؛ فأرسل الحملات العسكرية لانتزاع ولاية مصر وتولية عمرو بن العاص عليها بالإضافة إلى شن غارات خاطفة على أطراف الجزيرة العربية واليمن. توج هذا المسار المأساوي باغتيال الخليفة علي بن أبي طالب عام 661م (40 هـ) على يد عبد الرحمن بن ملجم أحد أفراد الخوارج.
بعد استشهاد علي، بويع ابنه الحسن بالخلافة في الكوفة لكنه وجد جيشًا منهكًا ومتفككًا داخليًّا وميل قطاع واسع من الجنود للقعود عن القتال مقابل جيش الشام المكتمل والمدعوم بموارد مصر والشام. أمام هذه الظروف وحرصا على حقن دماء المسلمين ولم الشمل، قرر الحسن التنازل عن الخلافة لمعاوية وفق شروط وضوابط محددة عام 661م وهو العام الذي سمي تاريخيًا بـ “عام الجماعة” ليبدأ بذلك تحول الخلافة إلى ملك وتأسيس الدولة الأموية وعاصمتها دمشق.

