انتشر بين الشباب مؤخرًا ما يُعرف بـ “زواج النفحة”. وفي هذا السياق، طرح شاب سؤالًا على دار الإفتاء حول مدى مشروعية هذا النوع من الزواج قبل ارتباطه بزميلته في الجامعة، حيث جاء نص السؤال كالتالي: ما حكم زواج النفحة؟ فأنا أدرس بالجامعة، وأرغب بالزواج من زميلة لي ولكن أخاف من مسؤوليات هذا الأمر. وقد أخبرني بعض زملائي عن طريقة معينة للزواج تُسمى “زواج النفحة”، والتي تتضمن الاتفاق مع زميلتي وفق هذه الشروط:.
- أولًا: أن أعطيها مبلغًا محددًا من المال كمقدم صداق في مقابل الزواج بها، مع النص في العقد على مبلغ آخر كمؤخر صداق لها.
- ثانيًا: في حال حدوث حمل وإنجاب، سأعترف بالأبناء.
- ثالثًا: يحق لي تطليقها في أي وقت أريد.
- رابعًا: يمكننا الاتفاق على الانفصال في أي وقت.
- خامسًا: يكون العقد بيننا وفق الشريعة الإسلامية بحيث لا يكون النكاح نكاح متعة أو محدد بمدة.
علماً بأن هذا العقد يتم بمباشرة المرأة البالغة بنفسها دون وليها، ودون الإعلان، ودون التوثيق لدى الجهات الرسمية. فما حكم الإقدام على هذا العقد شرعًا؟
ضبط الشرع للغرائز الإنسانية بالأمر بالزواج
عندما أمر الإسلام بالزواج ورغَّب فيه، راعى الغرائز الفطرية للإنسان ولم يكبتها، بل شرع الزواج وأمر به كل من ملك أهبة ذلك. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» متفق عليه.
وقد أحاط الشرع الشريف عقد الزواج بسياج من الشروط والأركان لتحقيق مقصد الاستخلاف والإعمار والديمومة والاستمرار؛ لينأى بالبشر عن استغلال الغريزة واللهاث خلف الشهوة وليقرِّر كرامة المرأة ويُعلِيَ شأنها ويفرق بينها وبين السفاح.
بيان حكم عقد الزواج محل السؤال
إطلاق الناس أسماء جديدة على عقد الزواج لا يؤثر على حله أو حرمته. ولكي نحكم على عقد زواج بالحل أو الحرمة لابد من تصور صحيح لمضمونه دون التركيز على حداثة اسمه. لذا فإن الكلام في واقعة السؤال ينقسم إلى أربعة جوانب:.
- الأول: صحة تزويج المرأة البالغة نفسها دون إذن وليها.
- الثاني: صحة العقد الذي لم يُوثق فيه عقد الزواج.
- الثالث: الزواج سرًّا دون إعلان.
- الرابع: احتمالية الاعتراف بالأبناء عند حدوث حمل.
تزويج المرأة البالغة نفسها بدون إذن وليها
اختلف الفقهاء في صحة تزويج المرأة البالغة نفسها دون إذن وليها. ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم صحة عقد الزواج الذي تزوجت فيه المرأة نفسها بدون ولي، سواء كانت بكراً أو ثيباً. بينما ذهب الحنفية إلى أنه يُستحب لها أن توكِّل أحد أوليائها لعقد نكاحها، وإن زوَّجت نفسها كان العقد صحيحاً ونافذاً شرعاً رغم أن فعلها يعتبر خلاف المستحب.
ومع ذلك فإن النكاح ينعقد صحيحاً عند الحنفية إذا باشرته المرأة بنفسها دون وليِّها، لكنه لا يكون لازماً في حق الولي إلا إذا كان الزوج كفؤاً لها وبمهر مثلها. فإذا كان غير كفء أو بأقل من مهر المثل ولم يوافق الزوج على رفعه إلى مهر المثل، كان للولي حق طلب رفعه إلى مهر المثل.
مدى صحة العقد الذي لم يُوثق فيه
توثيق عقد الزواج لدى الجهات الرسمية يُعتبر واجباً شرعيًّا ونظاميًّا لما يترتب عليه من حفظ الحقوق ودفع المفاسد. إن تعمد إخفاء الزواج عن الجهات المختصة يعد مخالفاً للشرع؛ لأن التوثيق يساعد في نفي التهم وإزالة الشبهات وحماية الحقوق ومنع الاحتيال. وقد أشار إلى ذلك العلامة الشيخ حسنين مخلوف في “فتاويه” (ص: 90).
كما تبيَّن لولاة الأمر مع تزايد عدد السكان وانتشار الفساد الأخلاقي وظهور مشكلات إنكار الزيجات والأنساب وإهدار حقوق النساء وغيرها من المفاسد المستحدثة أن توثيق عقد الزواج هو الوسيلة الفعالة لضمان حفظ الحقوق بعد استيفاء أركان الزواج الشرعية.
حكم الزواج سرًّا دون إعلان
يختلف الفقهاء في حكم عقد الزواج الذي يتم إخفاؤه عمدًا مع التواصي بكتمانه. هناك رأيان رئيسيان؛ الأول هو موقف أغلبية الفقهاء الذين يرون أن مثل هذا الزواج صحيح شرعاً ما دام قد استكمل أركانه وشروطه حتى لو لم يُعلن عنه خارج نطاق الشهود. بينما الرأي الثاني -مذهب المالكية- يقضي ببطلان مثل هذا الزواج لأنه يعتبر نكاح السر المنهي عنه شرعا.
احتمالية الاعتراف بالأبناء عند حدوث حمل
احتمالية الاعتراف بالأبناء عند حدوث حمل أمر محرم شرعاً؛ لأن ذلك يجعل نسب الأولاد يعود للاختيار والتشهي مما يعد هدمًا لأركان الأسرة التي جعل الله ميثاقها غليظا.
الإفتاء: “زواج النفحة” يحرم إبرامه ابتداءً
<pبناءً عليه وفي واقعة السؤال فإن عقد النكاح المسمى بـ "زواج النفحة" يحرم إبرامه ابتداءً لما ينطوي عليه من مفاسد كبرى أهمها غياب الولي وعدم التوثيق الرسمي وإخفاؤه وعدم إعلانه وجعل نسب الأولاد إلى أبيهم راجع إلى الاختيار والتشهي وكل ذلك مخالف للمقاصد الشرعية المعتبرة المرعية في عقد الزواج التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.

