لم يفتأ الإنسان منذ آلاف السنين حائرًا أمام سؤاله الوجودي: ما الإنسان؟ رغم أن الدين قد تولّى الجواب القطعيَّ عنه، وكذلك حاولت الفلسفة تقديم رؤية اجتهادية، تفاوت منظورها للإنسان صعودًا وهبوطًا رُقِيًّا وتسفُّلاً تبعًا لاختلاف المدارس الفلسفية وعدم اجتماع الفلاسفة على رأي موحد في الإنسان أو في غيره من القضايا.
أما الدين فقد ارتفع بالإنسان إلى أعلى مراتب الوجود الكوني أفضليةً: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).
وذلك بخَصِّه بأمور أربع:
الأول: جعله خليفة لله في الأرض خلافة تعكس أسْمَى مراتب التفضيل والتَّكريم الإِلَهي: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
الثاني: منحة العقل الذي هو أثمن هبات الله للإنسان، وهو مناط التكليف والتكريم والاختيار والامتياز.
الثالث: طبيعة خلق الإنسان الشريفة حيث أفرده الله بثلاث من السمات لم تتوفر إلا للإنسان، فقد خلقه الله بيده سبحانه؛ ونفخ فيه من رُوحه؛ وأسجد له الملائكة: قال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ).
الرابع: تحَمُّلُه مسؤولية الأمانة الكونية التي عجزت عنها السموات والأرض والجبال: (إِنَّا عَرَبَنَا الْأَمَنَه عَلَى السَّمَوَّات وَالْأَرْض وَالجبَال فَبَيْنَا أَن يَهْمِلَهَا وَلَقَد حَمَلَهَا الْإنسان).
وكانت اللعنة عاقبة من رفض الانصياع لتلك السمات التي فرضت التميز الإنساني والأفضلية الكونية له: (قَال يَا إِبليس مَا مَنَعك أَنْ تَقَعَد لِي مَا خَلَقٌ بِيدَيَّ ۖ أستكبرت أم كنت مِن العالين؟ قَال أنا خيرٌ منه ۖ خَلَقني مِن نارٍ وخَلقتَه مِن طينٍ قَال فاخرج مِنها فإنك رجمٌ وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين).
وبسبب من هذا التكريم وتلك الأفضلية فقد مُنح الإنسان عددًا من حقوق الإنسان التي تكفل له القدرة على القيام بأعباء الخلافة في عمارة الكون، أهمها:.
- خلق الإنسان في أعدل هيئة وصورة تناسب وظيفته: (لَقَد خَلَقنا الإنسـان في أحسن تقويم).
- الحفاظ على حياته وماله وعرضه وحريته التي جعلها الدين أهم مقاصد التشريع، وذلك صيانةً لكرامة الإنسان وضمانةً لحـقوقه وكفالةً لعدم الإخلال بها والتعدّي عليها:
* فتم فرض المساواة الإنسانية حقاً إلزامياً واجباً: (يَا أيها الناس إنّا خَلَقناكُم مِن ذكر وأنثى وجعلناكُم شعوباً وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليمٌ خبيرٌ).
- * وتم تحريم القتل وتغليظ عقوبته بما لا يُطاق عاجلاً أو آجلاً حفاظاً على حق الحياة: (مَنْ قـتَل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قـتل الناس جميعاً)، (ومَن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنّم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيماً).
- * وتم تحريم السرقة وتشديد عقوبتها ردعًا لمن ينتهك حق الملكية الفردية: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم).
- * منع الإكراه تعزيزاً لحق الحرية والاختيار خاصة في الاختيار الديني فضلاً عما دون ذلك: (لا إكراه في الدين).
- * تحريم الزنا وتجريمه حمايةً لحق الإنسان في نسب شريف وأسرة طاهرة العرض: (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين).
3- تسخير ما في الكون لخدمة الإنسان: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).
بينما نجد الفلسفة تبتعد كثيراً عن الدين في أكثر المسائل الجوهرية بشأن حقيقة الوجود الإنساني باستثناء بعض المدارس والفلاسفة مثل الألماني مارتن هيدجر بعيداً عن تصنيف الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي للفيلسوف الألماني مارتن هايدجر بأنه ملحد، ذلك التصنيف الذي لا يصح بحال من الأحوال ولم يوافق عليه أحد من الأثبات.
هل يمكن القول بأن هايدجر عندما أقام نسقه الفلسفي على أساس من الوجود حياة الإنسان، الموت الذي هو جزء من كينونة الإنسان، وبينهما القلق تجاه مصير الإنسان الحتمي، ذلك القلق الذي ليس شعوراً بل قيمة فلسفية باحثة عن معنى الوجود وكيفية تحقيقه بالدازاين (Da zein) الوجود الحقيقي المتعين بالعالم؟
ذلك الوجود الذي تفقد حياة الإنسان معناها إذا لم يحققه باختياره وإرادته الحرة، وإلا أصبح مغترباً عن ذاته، منتفيًا وجوده الحقيقي، متهربًا من مسؤوليته الوجودية تجاه العالم، فاقدًا البصمة المؤثرة في الحياة، متحولاً إلى رقم في قطيع استهلاكي روتيني مغلق تافه.
هل يمكن القول بأنه أول فيلسوف غربي يدرك عظمة الخلق الإنساني على النحو الذي طرحه التصور الإسلامي بأن الإنسان سيد الكون الذي خلقه الله تعالى خليفةً في الأرض لعمارتها وأمدَّه بكل مقومات الامتياز المناسبة لأداء تلك المهمة وتحمل الأمانة التي عجزت عن تحملها السموات والأرض والجبال؟
فمنحه العقل وأدوات الإدراك والحواس وأرشده بالوحي لكي يعمل بإيجابية وتأثير يُحاسب على التقصير فيه، فلا تزول قدماه حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله مم جمعه وفيما أنفقه، وعن علمه فيما عمل به؟
فإن كان ذلك كذلك فما هي المصادر التي اعتمد عليها هايدجر من تراثنا ومن فلاسفتنا ومفكرينا خاصة أنه بدأ حياته لاهوتيًا؟ بل يرى بعض نقاده كذلك مثل جلال صادق العظم أن نسقه الفلسفي عبارة عن لاهوت مُقَنَّع أو على الأقل كما يقول جاك دريدا عن كتاب هايدجر الرئيسي “الوجود والزمان”: إنه لم يُقرأ جيداً بعد ولا يزال يعاني سوء الفهم أو عدم فهم الكثير من مواضعه غير واضح وغامض وعسير على الفهم.
ويؤيد ما ذهب إليه جاك دريدا أن هايدجر نفسه قد انتقد الفيلسوف الفرنسي سارتر بأنه قد استعار اصطلاحاته لكنه حرَّفها.
وقد يثور سؤال لم يحظ حتى اليوم بجوابٍ شافٍ: هل تستطيع الفلسفة بمدارسها ومذاهبها النتشية السوبرمانية والهيدجرية الوجودية تعيين حدود الوجود الإنساني وأبعاد قدرته؟ أم أن الأمر قد حسمه الدين سَبقًا وتحديدًا في قانون الكلمات الثلاث المُعَيّن حدود القوة الإنسانية الخادعة: (وخلق الإنسان ضعيفًا)؟

