ما يحدث في بعض حفلات الساحل لم يعد مجرد اختلاف في الذوق أو صراع بين الأجيال؛ فعندما تتحول حفلة للترفيه إلى خناقات وتدافع واختناق وتحرش واستفزاز، فإن الأمر يتجاوز حدود الحفل ليثير سؤالًا أكبر: أي مجتمع نريد أن نكون؟
المشكلة ليست في الساحل وحده، ولا في فنان بعينه، بل في ثقافة تجعل الصخب قيمة، والاستفزاز بطولة، والظهور غاية، بينما تتراجع المسؤولية والحياء والانضباط. وعندما يُرفع شعار مثل: «أختك في رقبتي»، ثم تنتهي بعض المشاهد بفتيات يصرخن طلبًا للنجدة وسط الزحام، يصبح الفارق بين الشعار والحقيقة واضحًا. فالشهامة ليست مجرد كلمات تُقال فوق المسرح، وإنما سلوك يظهر وقت الاختبار.
الأخطر أن يتحول الخوف إلى فرجة، حيث ينشغل البعض بالتصوير بدلًا من الإنقاذ، ويصبح الإنسان نفسه مادة للتندر والمشاهدة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، وقال سبحانه: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾.
المسؤولية هنا لا تقع على فرد واحد، وإنما على الأسرة والمنظم والفنان والجمهور والجهات الرقابية. قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». فمن ينظم تجمعًا كبيرًا مسؤول عن سلامة الناس، ومن يقف على المسرح مسؤول عن أثر ما يقدم، ومن يرى الخطر لا ينبغي أن يتحول إلى متفرج.
لكن ثمة سؤالًا آخر: ماذا يحدث حين يصبح المجتمع منقسمًا إلى عالمين؟ عالم ينفق في ليلة ما قد لا يملكه عامل أو موظف في شهور، وعالم آخر يكافح من أجل احتياجاته الأساسية. وهنا تستعيد الذاكرة مقولة جمال عبد الناصر: «لكم الله يا فقراء مصر»، ليس باعتبارها دعوة لمحاربة الغنى، وإنما تذكيرًا بأن اتساع الفجوة بين الناس قد يتحول إلى أزمة اجتماعية وأخلاقية. فالقرآن لا يحرم متاع الحياة، لكنه يضع له ميزانًا: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.
نحن لا نحتاج إلى منع الترفيه، وإنما إلى ضبطه: تراخيص حقيقية، أعداد تتناسب مع المكان، مخارج طوارئ، أمن مدرب، مواجهة صارمة للتحرش والعنف، ومحاسبة أي جهة تهمل سلامة الجمهور.
والأسرة أيضًا أمام مسؤوليتها؛ فالسؤال ليس فقط: «هل ذهبت ابنتي إلى الحفل؟»، بل: أين تذهب؟ ومع من؟ وما طبيعة المكان؟ ومن المسؤول عن سلامتها؟
نريد مجتمعًا يفرح دون فوضى؛ يستمتع دون أن يؤذي؛ ويختلف دون أن يتحول الاختلاف إلى اعتداء. فالساحل ليس مجرد شاطئ وحفلات، وإنما مرآة تعكس واقعنا. وما يظهر على المرآة لا نعالجه بكسرها، بل بإصلاح ما انعكس عليها. القضية ليست منع الناس من الفرح بل تعلم كيفية الفرح دون فقدان أخلاقنا.

