تواجه المؤسسات اليهودية الأمريكية تحديات متزايدة مع ابتعاد شريحة من الشباب اليهودي عن دعم إسرائيل وتراجع جاذبية مصطلح “الصهيونية” بينهم. تكشف استطلاعات أجريت داخل الاتحادات اليهودية في الولايات المتحدة عن أن نسبة محدودة فقط من الشباب تتبنى هذا الوصف، بينما يفضل آخرون تجنب استخدامه.

رغم ذلك، لا تزال القيادات اليهودية الأمريكية متمسكة باستخدام مصطلح “الصهيونية”، حتى في الوقت الذي يدعو فيه بعض الاستراتيجيين إلى تغيير الخطاب وإعادة صياغة الرسائل الموجهة إلى الأجيال الشابة للحفاظ على دعمها لإسرائيل. هذا ما أشار إليه الكاتب الإسرائيلي أرنو روزنفيلد في تقريره المنشور على صفحات جريدة “هآرتس”.

ويبرز الكاتب هذا التناقض بين القيادات اليهودية والأجيال الشابة في الولايات المتحدة من خلال واقعة فصل منظمة “الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية”، وهي منظمة نافذة، للخبير في الاتصالات والإعلامي الأمريكي اليهودي مات بيرجر. جاء ذلك بعد اقتراحه بتجنب التركيز على مصطلح الصهيونية أثناء جهودهم لحشد الدعم لإسرائيل، مما يعكس اتساع الفجوة بين الخطاب الذي تتمسك به القيادات ومواقف شريحة متزايدة من الشباب.

لماذا يبتعد الشباب اليهودي عن مصطلح الصهيونية؟

تشير بيانات نشرتها “الاتحادات اليهودية في أمريكا الشمالية” هذا العام إلى أن 37% فقط من يهود الولايات المتحدة يعرفون أنفسهم بأنهم “صهيونيون”، بينما تجنب نحو نصف المشاركين في الاستطلاع استخدام هذا التصنيف، دون أن يصفوا أنفسهم في الوقت ذاته بأنهم “غير صهاينة” أو “معادون للصهيونية”.

ويؤكد روزنفيلد أن نتائج مماثلة ظهرت في دراسات أجريت في مدن أمريكية عدة، وكانت أكثر وضوحا بين الشباب. ففي بوسطن، وجد الاتحاد اليهودي المحلي أن 38% من اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما يعتبرون أنفسهم معادين للصهيونية، مقابل 32% يعرفون أنفسهم بأنهم صهيونيون.

لماذا عوقب بيرجر؟

يرى كثيرون أن الصهيونية مرتبطة بالدعم السياسي لحكومة بنيامين نتنياهو، التي تحظى حاليا بأدنى مستويات التأييد بين يهود الولايات المتحدة. كما أنهم يتبنون وجهة نظر المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين، الذين يربطون الصهيونية بنوع من القومية اليهودية المعادية للأجانب.

من هذا المنطلق، فإن اقتراح بيرجر لا يبدو موقفا راديكاليا أو محاولة لتقويض إسرائيل من داخل المؤسسة اليهودية. فقد سبق له إدارة صندوق روبرت كرافت لمكافحة معاداة السامية التابع لمالك فريق “يو إنجلاند باتريوتس”، وعمل مستشارا لدى اللجنة اليهودية الأمريكية ومنظمات أخرى تنشط في مواجهة معاداة الصهيونية.

هل أدت الإبادة الإسرائيلية في غزة إلى توسيع مساحة الخلاف؟

يربط روزنفيلد قرار فصل بيرجر بحالة الاستقطاب المتزايدة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي بشأن إسرائيل، والتي تفاقمت بصورة كبيرة منذ حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة وما أثارته من خلافات متصاعدة داخل المؤسسات. العديد من يهود أمريكا الذين يشعرون بعدم الارتياح إزاء سياسات الحكومة الإسرائيلية وممارساتها خلال الحرب بدأوا بالابتعاد عن الاتحادات والمنظمات اليهودية.

هل تخسر المؤسسات اليهودية الأمريكية جمهورها بسبب الاستقطاب؟

يحذر روزنفيلد من أن المجتمع المنظم الذي لا يحتمل الآراء المخالفة قد يدفع الأعضاء المختلفين إلى الانسحاب، مما يؤدي إلى تضييق قاعدة المشاركة وتعزيز الانقسام الداخلي. وهذا ما يضعف قدرة هذه المؤسسات على التأثير خارج دوائرها التقليدية.

ويخلص الكاتب الإسرائيلي إلى أن فصل بيرجر يحمل رسالة سياسية واضحة؛ حيث تبدو واحدة من أكبر وأقوى المنظمات اليهودية في الولايات المتحدة أكثر اهتمامًا بإرضاء مؤيديها الحاليين بدلاً من مواجهة التراجع المتزايد في دعم إسرائيل. وذلك حتى عندما تشير بياناتها الداخلية نفسها إلى الحاجة لتغيير الخطاب والاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق بالأجيال الشابة.