أوضحت دار الإفتاء المصرية حكم رفع اليدين بالدعاء أثناء خطبة الجمعة، وبين الخطبتين أثناء جلسة الإمام، مؤكدة أن رفع اليدين من آداب الدعاء.

حكم رفع اليدين أثناء الدعاء

وقالت دار الإفتاء إن من آداب الدعاء المتفق عليها -والتي هي من أسباب قبوله، وأدعى لإجابته-: رفع اليدين أثناء الدعاء؛ لما فيه من كمال الأدب مع الله تعالى وإظهار الذلة والفقر بين يديه؛ فروى الإمام مسلم في “صحيحه” عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَبُ لِذَلِكَ؟

قال العلامة الطوفي في “التعيين في شرح الأربعين” (1/ 116): [قوله: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّماءِ» يدل على أن من أدب الدعاء رفع اليدين إلى السماء، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرفع يديه في الاستسقاء حتى يُرى بياض إبطيه] اهـ.

حكم رفع اليدين في الدعاء للاستسقاء وغيره من النوازل

وذكرت الإفتاء أن العلماء ذهبوا إلى جواز رفع الخطيب والمأموم أيديهم بالدعاء يوم الجمعة للاستسقاء وغيره من النوازل كاشتداد الريح والزلازل. حيث روى الإمام البخاري في “صحيحه” عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: «أتى أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الماشية وهلك العيال وهلك الناس. فر رفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون. فقال فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى».

ففي هذا الحديث دلالة ظاهرة على استحباب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء وغيره من النوازل. واستدل الإمام البخاري بهذا الحديث على جواز رفع اليدين في الدعاء مطلقًا وبوَّب له بقوله: «باب رفع اليدين في الخطبة».

قال الإمام القسطلاني في “شرح صحيح البخاري” (2/ 251): [استدل به على استحباب رفع اليدين في الدعاء للاستسقاء. وهل ترفع في غيره من الأدعية أم لا؟ الصحيح الاستحباب في سائر الأدعية] اهـ.

حكم رفع اليدين بالدعاء أثناء خطبة الجمعة

وأشارت إلى أن الدعاء بين الخطبتين أثناء جلسة الإمام بين الخطبة الأولى والثانية مستحبٌّ ويندب رفع اليدين فيه؛ خاصة أن هذا الوقت يرجى إجابة الدعاء فيه؛ فقد بيّن لنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يدعو الله تعالى فيها بخير إلا استجاب دعاؤه. وهذا الوقت هو أقرب الأوقات لأن يكون ساعة الإجابة؛ لما رواه مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة».

قال الإمام النووي في “شرح صحيح مسلم” (6/ 140): [قال القاضي اختلف السلف في وقت هذه الساعة.. وقيل: من حين يجلس الإمام على المنبر حتى يفرغ من الصلاة] اهـ.

كما أَنَّ هذا الوقت -وقت الاستراحة بين الخطبتين- غير داخلٍ في الوقت المنهي عن الكلام فيه والإمام يخطب على ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الشافعية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد من الحنفية؛ لما رواه الشيخان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت والإمام يخطب فقد لغوت».

فالنهي الوارد في الحديث لأجل الاستماع للخطبة بدليل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «والإمام يخطب».

قال العلامة الشوكاني في “نيل الأوطار” (3/ 324): [فيه دليل على اختصاص النهي بحال الخطبة ورد على من أوجب الإنصات من خروج الإمام] اهـ.
وعلى ذلك تواردت عبارات الفقهاء:.

قال العلامة السرخسي الحنفي في “المبسوط” (2/ 29): [قال أبو حنيفة: يكره الكلام بعد خروج الإمام قبل أن يأخذ في الخطبة وبعد الفراغ من الخطبة قبل الاشتغال بالصلاة كما تكره الصلاة. وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى تكره الصلاة في هذين الوقتين ولا يكره الكلام] اهـ.

وقال العلامة الخطيب الشربيني الشافعي في “مغني المحتاج” (1/ 553): [ولا يكره الكلام قبل الخطبة ولا بعدها ولا بين الخطبتين ولا للداخل ما لم يأخذ له مكانًا ويستقر فيه] اهـ.

وقال العلامة المرداوي الحنبلي في “الإنصاف” (2/ 417): [ظاهر قوله: «والإمام يخطب» أن الكلام يجوز بين الخطبتين إذا سكت والصحيح أن الكلام بينهما يباح] اهـ.

حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الخطبة الثانية للجمعة

وأضافت الإفتاء: اختلف العلماء في حكم رفع اليدين بالدعاء بعد الفراغ من الخطبة الثانية. فذهب بعض الحنفية والمالكية في قول وابن حجر الهيتمي من الشافعية وابن عقيل من الحنابلة إلى استحباب رفع اليدين أثناء الدعاء بعد الفراغ من الخطبة الثانية؛ لعموم النصوص الدالة على استحباب رفع الأيدي في الدعاء ولأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رفع يديه في خطبة الجمعة حين استسقى.

قال العلامة بدر الدين العيني الحنفي في “البناية” (4/ 203): [(والرفع سنة الدعاء) ش: أي رفع اليدين سنة] اهـ.

وقال العلامة الخرشي المالكي في “شرحه لمختصر خليل” (2/ 341): [وعبارة شب وفي رفع يديه قولان قال الموضح مذهب المدونة عدم الرفع] اهـ.

وقال القاضي عياض في “إكمال المعلم بفوائد مسلم” (3/ 277): [كره قوم من السلف رفع اليدين في الخطبة والدعاء وهو قول مالك وحجة من قال ذلك هذا الحديث وأجازه آخرون وهو قول بعض أصحابنا وحجتهم رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه ومدها في الخطبة والدعاء يوم الجمعة حين استسقى] اهـ.

وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي الشافعي في “الفتاوى الفقهية الكبرى” (1/ 252) عندما سئل عن رفع اليدين بعد فراغ الخطبتين يوم الجمعة: [رفع اليدين سنة في كل دعاء خارج الصلاة ونحوها ومن زعم أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يرفعهما إلا في دعاء الاستسقاء فقد سها سهوًا بيِّنًا وغلط غلطًا فاحشًا] اهـ.

المختار للفتوى فيما يتعلق برفع اليدين أثناء الدعاء

المختار ما ذهب إليه أصحاب الرأي الأول القائلون باستحباب رفع الأيدي للدعوة مطلقًا لعموم الأدلة الواردة التي وصلت لدرجة التواتر. بل إن هذا أدعى لإجابة الدعوة؛ لما رواه الإمام الترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن اللَّه حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليهم يدَيْهِ أن يُردَّهُمَا صفراً خائبتَيْن».