أظهر استطلاع جديد للرأي استمرار تراجع شعبية حزب الليكود بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، مسجلاً أدنى مستوى له منذ يونيو من العام الماضي. في المقابل، حقق حزب “ياشار” بقيادة رئيس أركان جيش الاحتلال الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت صعوداً ملحوظاً، حيث بات يتصدر نتائج الاستطلاع مع بدء العد التنازلي للانتخابات التشريعية المقررة في 27 أكتوبر المقبل.

ووفقاً للاستطلاع الذي أجراه معهد لازار للأبحاث لصالح صحيفة “معاريف”، تراجع الليكود إلى 20 مقعداً بخسارة مقعدين مقارنة بالاستطلاعات السابقة. بينما ارتفع حزب “ياشار” إلى 23 مقعداً، وهو أعلى رصيد يحققه حتى الآن، بحسب موقع “والا” الإسرائيلي.

وعلى الرغم من الصعود اللافت لآيزنكوت خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن تقارير إعلامية تشير إلى أن نجاحه في تحويل هذا الزخم إلى انتصار انتخابي يعتمد على عدة عوامل، أبرزها قدرة المعارضة على التوحد وشكل التحالفات الحزبية المقبلة، بالإضافة إلى تطورات المشهد الأمني والإقليمي. ويؤكد البعض أن “نتنياهو لا يزال يمتلك قاعدة سياسية صلبة داخل اليمين الإسرائيلي ويتمتع بخبرة انتخابية واسعة مكنته مرارًا من تجاوز أزمات بدت أكثر خطورة من الأزمة الحالية”.

ارتبطت شهرة آيزنكوت خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية حيث كان قائداً لفرقة جيش الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة. استخدم آيزنكوت – حينها – الصواريخ وقذائف الدبابات والرصاص المطاطي والحي والقنابل الغازية والصوتية والحارقة في مواجهة المدنيين الفلسطينيين. كما اتبع سياسة الإعدامات الميدانية للفلسطينيين ما أدى إلى استشهاد 4412 فلسطينياً وجرح 48 ألفاً و322 آخرين. فضلاً عن ملاحقة الناشطين وقادة الفصائل وقتلهم أو الزج بهم في السجون وإصدار أحكام عالية بحقهم كما حدث مع القيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات.

الصهيونية عامل مشترك بين الجميع

بالعودة إلى نتائج الاستطلاع، سجل حزب “معا” بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت 17 مقعدًا، بينما حصل حزب “إسرائيل بيتنا” الذي أسسه ويقوده وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق أفيجدور ليبرمان على 10 مقاعد. وحافظ حزب “الديمقراطيون” الذي تأسس في يوليو 2024 على 11 مقعدًا.

وفي معسكر الائتلاف الحاكم، حقق حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف بزعامة وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير وحزب “الصهيونية الدينية” بقيادة وزير المالية الإسرائيلية المتطرف بتسلئيل سموتريتش مكاسب محدودة بإضافة مقعد لكل منهما، ليرتفع تمثيلهما إلى 8 و5 مقاعد على التوالي. فيما حافظ حزبا “شاس” و”يهودية التوراة الموحدة” على تمثيلهما عند 8 مقاعد لكل منهما.

وعلى الرغم من هذه التغييرات، لم تتبدل خريطة الكتل السياسية إذ حافظت أحزاب المعارضة الصهيونية على أغلبية 61 مقعدًا مقابل 49 مقعدًا لكتلة نتنياهو، فيما حصلت الأحزاب العربية على 10 مقاعد وفقًا لموقع “والا”.

كرسي نتنياهو يهتز

وأظهر الاستطلاع أن حزب “معا” استقطب جزءًا كبيرًا من أصوات ناخبي بينيت في الانتخابات السابقة بالإضافة إلى أصوات من حزب “يش عتيد” وأحزاب أخرى، ما يعكس اتساع قاعدة دعمه.

كما كشف الاستطلاع عن تباين داخل صفوف المعارضة بشأن مستقبل التعاون بين نفتالي بينيت ويائير لابيد؛ إذ يؤيد نحو نصف ناخبي المعارضة استمرار التحالف بينهما بينما يفضل نحو ثلثهم خوض كل طرف الانتخابات بشكل منفصل.

ويمثل تحالف بينيت-لابيد كتلة لا يستهان بها؛ حيث عُرف لابيد بمواقفه المعارضة لنتنياهو في جميع الملفات معتبرًا أن “الاتفاق مع إيران كارثة سياسية غير مسبوقة حيث جرى تهميش إسرائيل بالكامل عن مسار المفاوضات وأن حكومة نتنياهو أخفقت في إدارة المواجهات مع غزة ولبنان وإيران”.

كما يرى لابيد – حليف بينيت القوي – أن إسرائيل في عهد نتنياهو أصبحت دولة وصاية بالكامل مضيفًا: التحرك العسكري الأخير لم ينجح في إسقاط النظام الإيراني أو تدمير البرنامج النووي الإيراني والمواطنون الإسرائيليون ليسوا دمى في مسرح.

تغير محسوب في المزاج الانتخابي

وعلى صعيد المنافسة على رئاسة الحكومة، واصل قادة المعارضة التقدم على بنيامين نتنياهو في استطلاعات الشعبية؛ إذ حصل بينيت على تأييد بلغ 45% مقابل 42% لنتنياهو. كما تفوق جادي آيزنكوت بنسبة 46% مقابل 40% لرئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي. وأظهر الاستطلاع تقدم آيزنكوت على بينيت داخل معسكر المعارضة بنسبة 38% مقابل 23%.

وفي المحصلة تعكس تلك المؤشرات تغيرًا في المزاج العام الإسرائيلي تجاه كتلة نتنياهو لكنها لا تمثل بالضرورة حسماً للمشهد الانتخابي إذ تبقى نتائج أي استحقاق مقبل رهينة بتطورات الأوضاع الأمنية والسياسية وطبيعة التحالفات الحزبية وقدرة كل معسكر على حشد ناخبيه؛ وهو ما برع فيه نتنياهو على مدى نحو ثلاثين عامًا حتى شبع البعض رحلته السياسية بأسطورة الفينيق التي تقول إنه عندما يشعر بدنو أجله يبني عشا من الأغصان العطرية ويشعل فيه النار ليحترق تمامًا ثم ينهض طائر جديد من الرماد ليبدأ حياة جديدة!

وفي الوقت نفسه يبرز هذا الحراك السياسي باعتباره تنافسًا بين شخصيات وأحزاب تختلف في برامجها الانتخابية وتحالفاتها لكنها تبقى في النهاية وكأنها صورة مرآة تجاه رؤيتها للتعامل مع الملف الفلسطيني والتي تؤمن بالصهيونية فكراً وبنزيف الدم الفلسطيني كسبيل أوحد لبقاء إسرائيل.