لا تزال مأساة آلاف، وربما ملايين المواطنين مستمرة. هؤلاء الذين اشتروا وحدات سكنية داخل عقارات قائمة بالفعل، وبعضها حاصل على تراخيص، ثم اكتشفوا أن العقار يحمل مخالفة في دور أو دورين، أو أن إجراءات التقنين لم تكتمل، أو أن صاحب العقار والمطور العقاري ارتكبا مخالفة كان ينبغي أن تتحمل تبعاتها الجهة التي ارتكبتها أو سمحت بوقوعها.
لكن المفارقة أن الحكومة، بدلًا من أن تبدأ البحث عن المسؤول الحقيقي، بدأت تبحث عن المواطن. وهنا بدأت المأساة.
المواطن لم يبنِ الدور المخالف. لم يصدر الترخيص. لم يعتمد الرسومات الهندسية. لم يمرر المخالفة داخل الحي أو جهاز المدينة أو المحليات. هو اشترى شقة. اشترى جدرانًا تأوي أسرته ولم يرتكب مخالفة ومع ذلك وجد نفسه في النهاية أمام عداد كودي، وفاتورة كهرباء تُحسب عليه وفق أعلى شريحة، وكأن المواطن هو الذي ارتكب المخالفة، وكأن استهلاكه للكهرباء صار جريمةً تابعة للحالة الإنشائية للعقار.
إذا كان العقار مخالفًا، فمن المخالف؟ صاحب العقار؟ المطور؟ المقاول؟ الموظف الذي سمح بالمخالفة؟ الجهة التي قصرت في الرقابة؟ أم المواطن الذي اشترى شقة بعد أن ظن، بحسن نية، أنه يتعامل مع سوق عقارية تخضع للقانون؟
هذه هي المفارقة التي تستحق أن تُناقش بلا مواربة: هل يجوز أن يتحول المتضرر من المخالفة إلى المتهم بها؟ كما أن الكهرباء سلعة لها سعر، والسعر يرتبط في الأصل بحجم الاستهلاك. تستهلك قليلًا، تدفع وفق الشريحة التي ينتمي إليها استهلاكك. تستهلك كثيرًا، تنتقل إلى شريحة أعلى. هذه هي القاعدة العادلة التي يجب أن تطبق.
كان ينبغي أن تظل وزارة الكهرباء تحاسب على استهلاك الكهرباء الفعلي وفق السعر العادل، بينما الحالة الإنشائية والقانونية للعقار تقع في نطاق مسؤوليات جهات أخرى. فإذا كان هناك عقار مخالف، فلتتحرك الجهة المختصة بالعقار. وإذا كان هناك مطور خالف القانون، فليُحاسَب المطور ويدفع الثمن من جيبه وأرباحه. وإذا كان هناك موظف في حي أو جهة إدارية سهّل المخالفة، فليُسأل الموظف ويعاقب.
أما أن يُلقى كل ذلك في فاتورة الكهرباء على المواطن، فهذه ليست معالجة للمشكلة بل نقلٌ للمشكلة من مرتكبيها الحقيقيين إلى الضحايا.
المواطن دفع الثمن مرتين وعوقب مرتين: أولًا اشترى شقة في عقار صادر له تراخيص ثم اكتشف أن هناك مخالفة في العقار ارتكبها صاحبه أو المطور العقاري. وعوقب مرة ثانية حين أجبرته الحكومة على دفع ثمن مخالفة لم يرتكبها.
لقد دافع رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي في تصريحات سابقة عن سياسة توحيد محاسبة العدادات الكودية وفق أعلى شريحة في سياق التعامل مع ملف العدادات والمخالفات. لكن دفاع الحكومة عن القرار لا يجيب عن السؤال الأهم: هل من العدل أن يتحمل المستهلك نتيجة وضع قانوني لم يصنعه؟
ويزداد الوضع مأساوية حين يسدد المواطن ما طُلب منه من مقايسات ويريد تحويل العداد الكودي إلى عداد قانوني، ليجد نفسه أمام متاهة من الموافقات والإجراءات التي قد تتعلق بالعقار كله لا بوحدته السكنية وحدها.
إن كل ذلك يحدث بسبب انسحاب الدولة من السوق العقاري وتركه للفوضى وعدم قيام الحكومة والأجهزة الرقابية بدورها في التصدي للفساد والمحليات وأجهزة المدن والأحياء. إن المطلوب من الحكومة هو محاسبة من بنى مخالفًا والموظف الذي غض الطرف عنه.
استردوا حق الدولة من الذين تسببوا في المخالفة. إن أزمة العداد الكودي ليست مجرد قصة فاتورة كهرباء بل هي عداد آخر أكثر قسوة يقيس المسافة بين المواطن والدولة.

