في الرابعة فجرًا تقريبًا، بينما لا تزال قرى المنيا غارقة في الهدوء، تبدأ رحلة مختلفة لا يعرف تفاصيلها كثيرون إلا عندما تنتهي بحادث أو مأساة.

يخرج العمال من منازلهم بحثًا عن يوم عمل، بعضهم رجال ونساء، وفي بعض الحالات أطفال، يتجمعون في نقاط معروفة داخل القرى، ثم تبدأ عملية نقلهم إلى مزارع قد تبعد عشرات الكيلومترات.

في كثير من الحالات، لا يعرف العامل صاحب المزرعة مباشرة، ولا يملك عقدًا واضحًا يحدد علاقته بجهة العمل. بينما تظهر في منتصف الطريق حلقة أساسية تعرف بين العمال باسم «سمسار الأنفار» أو «المقاول».

هذا الشخص هو الذي يجمع العمال، ويتفق على العدد، وينظم وسيلة انتقالهم إلى المزرعة، ويتولى في النهاية عملية المحاسبة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا يحدث لهذه الحلقة عندما تقع الكارثة؟

قبل الفجر.. العمال ينتظرون «المقاول»

محمد ع. ش، عامل يبلغ من العمر 16 عامًا، يروي أن يوم العمل يبدأ مبكرًا جدًا، حيث يقول: «يبدأ يومنا من الساعة 4 فجرًا عند تجمعنا قبل الانطلاق إلى المزرعة».

«عربية واحدة أوفر».. عندما يصبح العدد مسألة تكلفة

لا تتوقف المشكلة عند وسيلة النقل فحسب، بل تمتد أيضًا إلى عدد الأشخاص الذين يتم تحميلهم داخلها.

يقول محمد: «عندما نتفق على عربية واحدة يكون الأمر أفضل من الاتفاق على عربيتين ربع نقل. المقاول يعتبرها أوفر له؛ المهم أن نكون في عربية واحدة لتقليل الأجرة».

اليومية 100 جنيه.. فأين يذهب باقي المبلغ؟

الرحلة لا ترتبط فقط بوسيلة النقل، بل بمنظومة مالية تبدأ من صاحب المزرعة وتنتهي عند العامل.

عامر س. ح، 17 عامًا، يقول إن اليومية التي يحصل عليها العمال تتراوح بين 100 و200 جنيه بحسب طبيعة العمل والاتفاق.

ويضيف: «صاحب الزراعة يحاسب المقاول على الأنفار بمبلغ أكبر من ذلك بكثير، لكن ما يصل إلينا هو 100 جنيه فقط».

«الربع نقل تشيل 35 لـ40».. مقاعد أكثر وأمان أقل

أما سيد ع. م فيربط بين نوع السيارة وعدد العمال الذين يتم نقلهم.

يقول: «نوع السيارة يؤثر بشكل كبير؛ إذا ركبنا ميكروباص لنقل 14 شخصًا فقط بينما الربع نقل يمكن أن يحمل من 35 إلى 40 شخصًا. لذلك يقوم مقاول الأنفار بتوفير المال على حساب أرواحنا».

الصحراوي الشرقي والغربي.. طريق العمل وطريق الخطر

حسين ن. عامل يبلغ من العمر 21 عامًا يشير إلى أن الطريق الصحراوي الشرقي والغربي أصبحا المسارات الرئيسية التي يسلكها العمال للوصول إلى أماكن عملهم.

ويؤكد خطورة هذه الرحلات خاصة خلال فصل الشتاء بسبب الشبورة وانخفاض مستوى الرؤية.

تزداد المخاطر عندما تبدأ الرحلة قبل شروق الشمس وتكون السيارات محملة بأعداد كبيرة من العمال، بينما تسير لمسافات طويلة للوصول إلى مزارع تقع بعيدًا عن القرى والمدن.

وهنا لا يعود الحادث مجرد تصادم بين سيارتين بل يصبح نتيجة محتملة لسلسلة تبدأ من نقطة التجمع الأولى.

الحلقة المفقودة.. أين يختفي «سمسار الأنفار»؟

النمط الذي تكشفه شهادات العمال يضع «سمسار الأنفار» في قلب منظومة نقل العمال الزراعيين.

لكن بعد وقوع الحادث غالبًا ما ينصب الاهتمام على السيارة والسائق وعدد الضحايا والمصابين، بينما يبقى سؤال آخر بحاجة إلى إجابة: من جمع هؤلاء العمال؟ ومن اتفق على نقلهم؟ ومن حدد وسيلة الانتقال؟ ومن كان مسؤولًا عن العدد الذي استقل السيارة؟

حادث تونا الجبل.. 8 وفيات و25 مصابًا

القضية ليست مرتبطة بحادث واحد؛ ففي 19 أبريل 2025 شهد الطريق الصحراوي الغربي بالقرب من قرية تونا الجبل بمركز ملوي حادث تصادم بين سيارة ربع نقل وأخرى نصف نقل كانت إحداهما محملة بعمال وأطفال. وأسفر الحادث عن وفاة 8 أشخاص وإصابة 25 آخرين.

وأعاد الحادث وقتها ملف استخدام سيارات البيك أب في نقل المواطنين إلى الواجهة خاصة أن محافظة المنيا كانت قد بدأت منذ أغسطس 2024 إجراءات لحظر نقل الركاب بسيارات البيك أب وفتح المجال لترخيص سيارات الميكروباص كوسيلة أكثر ملاءمة لنقل المواطنين.

لكن استمرار الحاجة إلى العمالة الزراعية وبعد المسافة بين المزارع والقرى يجعل السؤال قائمًا: هل تكفي إجراءات منع النقل غير الآمن وحدها أم أن المشكلة تحتاج إلى تنظيم كامل لمنظومة نقل العمال الزراعيين؟