أثار الإعلان عن الموافقة على مقترح إصدار صكوك ضريبية تمولها الشركات والممولون، والتي ستستخدم في تسوية التزاماتهم الضريبية المستقبلية، جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية. فبينما يرى البعض في هذه الصكوك أداة تمويلية مبتكرة يمكن أن توفر سيولة للدولة وتخفض تكلفة الاقتراض، يعتبرها آخرون وسيلة جديدة للحصول على إيرادات المستقبل مقدمًا.
تتواصل التساؤلات حول طبيعة الأداة وآليات عملها، حيث تظل التفاصيل الفنية هي الفيصل في الحكم على جدواها. يتعلق الأمر بآجال الصكوك، وطريقة احتساب العائد أو الخصم، وكيفية استخدامها في سداد الضرائب، ومدى قابليتها للتداول، وحجم مشاركة الممولين. وقد طرحت “فيتو” هذه القضية ذات الأبعاد التاريخية على طاولة النقاش بحضور عدد من الاقتصاديين والسياسيين.
الحكم على التجربة قبل إعلان تفاصيلها سابق لأوانه.. ونجاحها يتوقف على التسعير والشفافية.
في هذا الحوار، يشرح محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، الفكرة الاقتصادية للصكوك الضريبية والفارق بينها وبين الاقتراض التقليدي. كما يتناول مدى إمكانية مساهمتها في خفض تكلفة خدمة الدين وحدود تأثيرها في ظل ضخامة الاحتياجات التمويلية للدولة ومدى ملاءمتها للاقتصاد المصري.
وإلى نص الحوار..
في البداية.. كيف يمكن تبسيط فكرة الصكوك الضريبية؟
الفكرة الاقتصادية بسيطة في جوهرها؛ فالدولة لديها احتياجات والتزامات تمويلية حالياً، وفي المقابل يوجد لدى الممول التزامات ضريبية مستحقة في المستقبل. يسعى الصك الضريبي إلى تقريب المسافة الزمنية بين الطرفين؛ حيث يدفع الممول أموالاً للدولة الآن ويحصل مقابل ذلك على حق مالي يمكن استخدامه مستقبلًا لتسوية التزاماته الضريبية وفقًا للقواعد التي سيحددها تصميم الأداة. بمعنى آخر، تحصل الدولة على السيولة مبكرًا بينما يحصل الممول على مقابل مالي نظير تقديم هذه السيولة قبل موعد استحقاق الضريبة.
هناك من يرى أن الدولة بذلك «تبيع إيرادات المستقبل».. هل هذا التوصيف دقيق؟
ليس بالضرورة؛ لأن الدولة تستخدم موارد المستقبل لتمويل احتياجاتها الحالية. فعندما تصدر الدولة أذون خزانة لمدة عام مثلاً، تحصل على الأموال اليوم ثم تسدد أصل الدين والعائد من مواردها المستقبلية. إذن السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس هل نستخدم موارد المستقبل أم لا؟ وإنما بأي تكلفة نفعل ذلك؟ إذا استطاعت الدولة الحصول على جنيه اليوم عبر الصك الضريبي بتكلفة أقل من الحصول عليه عبر أذون الخزانة، فقد حققت وفرًا حقيقيًا في تكلفة التمويل.
هل يمكن أن تصبح الصكوك الضريبية بديلًا لأذون الخزانة؟
لا أعتقد أنه من الصحيح تقديمها كبديل كامل لأدوات الدين الحكومية؛ فهي أداة إضافية ضمن مجموعة أدوات التمويل وإدارة السيولة. يمكن للدولة استخدامها إذا كانت تكلفة التمويل عبرها أقل من البدائل المتاحة.
هناك مقارنات تاريخية مع نظام «المقابلة» في عهد الخديوي إسماعيل.. إلى أي مدى تبدو هذه المقارنة صحيحة؟
هناك تشابه بالفعل في المبدأ العام وهو تحويل جزء من التدفقات الضريبية المستقبلية إلى سيولة حاضرة. كان نظام «المقابلة» يقوم على دفع مبالغ مقدماً مرتبطة بالضريبة العقارية مقابل تخفيض العبء الضريبي؛ ولذلك توجد نقطة تشابه واضحة. لكن يجب ألا تمتد المقارنة إلى اعتبار التجربتين شيئاً واحداً؛ فالتشابه موجود في الفكرة الزمنية وليس بالضرورة في التصميم المالي أو النتائج.
وماذا عن التجارب الدولية؟ هل الصكوك الضريبية فكرة جديدة عالميًا؟
ليست فكرة بلا نظائر دولية؛ فهناك تجارب في دول مثل إيطاليا والبرتغال وإسبانيا استخدمت آليات للمقاصة بين مستحقات الدولة والتزامات الشركات وكذلك ائتمانات وشهادات ضريبية يمكن استخدامها لتسوية الالتزامات الضريبية المستقبلية. ومع ذلك، يجب التأكيد أن هذه التجارب ليست نسخاً مطابقة لما تقترحه مصر ولكل تجربة ظروفها الاقتصادية والمالية والضريبية.
هل الصكوك الضريبية مناسبة لجميع الممولين والشركات؟
بالتأكيد لا؛ فشركة تعاني نقصًا في السيولة وتضطر إلى الاقتراض من البنك بتكلفة مرتفعة لن يكون منطقيًا لها أن تقترض اليوم لدفع ضريبة لم يحن موعد استحقاقها بعد.
وما الشروط الأساسية لنجاح التجربة؟
أهم عنصر هو التسعير؛ حيث يجب أن يكون العائد أو الخصم جذابًا بما يكفي ليشارك أصحاب السيولة. وفي الوقت نفسه يجب أن تكون تكلفة هذا التمويل بالنسبة للدولة أقل من تكلفة البدائل المتاحة أمامها. المساحة بين هذين السعرين هي التي يمكن أن تحقق منها الخزانة وفراً حقيقياً.
لكن نجاح التجربة لا يتوقف على التسعير وحده بل أيضًا على التصميم والشفافية. حتى الآن لا نعرف بصورة تفصيلية كل عناصر الأداة مثل آجال الصكوك وطريقة تحديد العائد وآلية استخدامها في سداد الضرائب ومدى إمكانية تداولها والحدود الموضوعة لمشاركة الممول الواحد. لذا فإن الحكم القطعي عليها سواء بالإشادة أو الرفض قبل إعلان التفاصيل الكاملة سيكون سابقاً لأوانه.
لكن مصر لديها احتياجات تمويلية ضخمة.. هل يمكن للصكوك الضريبية أن تحدث فارقاً ملموساً؟
مصر تواجه احتياجات تمويلية ضخمة وخطة الاقتراض الحكومية تشير إلى احتياجات إجمالية تقترب من نصف الناتج المحلي. الجزء الأكبر منها لا يرتبط بالعجز الجاري وحده بل بإعادة تمويل استحقاقات ديون قائمة خصوصاً الدين المحلي وأذون الخزانة. أمام هذا الحجم من الاحتياجات، من غير الواقعي تصور أن الصكوك الضريبية ستغير المشهد المالي للدولة بصورة جوهرية.
هي أداة إضافية يمكن أن تحقق وفراً في تكلفة التمويل أو توسع قاعدة التمويل لكنها ليست بديلاً عن إصلاح هيكل الدين أو إطالة آجاله أو خفض العجز أو زيادة الإيرادات المستدامة أو تحقيق معدلات نمو أعلى.
إذا كان تأثيرها محدودًا فما القيمة التي يمكن أن تضيفها؟
محدودية حجم الأداة لا تعني أنها بلا قيمة؛ فإذا استطاعت أداة مالية جديدة توفير مليارات الجنيهات من تكلفة خدمة الدين فهذا وفراً حقيقياً يستحق السعي إليه. إدارة المالية العامة لا تقوم فقط على القرارات التي تغير المؤشرات بعشرات النقاط؛ أحياناً يكون المطلوب جمع عدد كبير من التحسينات الصغيرة التي تخفض التكلفة وتحسن إدارة السيولة.
المشكلة تبدأ عندما نقدم تحسيناً هامشياً باعتباره تحولاً هيكلياً أو نهاجمه باعتباره كارثة مالية; كلا التوصيفين مبالغ فيه.

