السيد محمد عبدالرحيم النشابى: الولى الفقيه وأبو المعارف

تلقى النحاس العهد منه صبيًا في المرحلة الثانوية وطالبه الشيخ بأن يكون قاضيًا يحكم بين الناس بالعدل ويرد مظالم العباد ورافقه لمقامه عقب وفاته

أشهر كراماته تصديه لظلم المنشاوى باشا الذي تبرع بأملاكه لعمل مستشفى للفقراء ومعهد لتدريس العلم الأزهرى لا يزالان بطنطا

• من الصعيد إلى طنطا.

ما الذي جاء بهذا الصبي من أقاصي صعيد مصر ليستقر في مدينة طنطا ويتعلم في المسجد الأحمدي؟ البداية كانت في حي نفادة، وتحديدًا في شهر يونيو من العام 1948م، حيث رزقت الأسرة بطفل أسموه محمد تيمناً بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أراد الأب أن يتبرك بقدومه فنذر لله أن يحفظ الصبي القرآن ويودعه في كتاب القرية عندما يبدأ بالنطق. وبالفعل، حفظ الصبي القرآن الكريم في كتاب القرية.

بعد فترة، طلب الصبي من أبيه زيارة أضرحة آل البيت النبوي الشريف. وقد أفادت بعض المصادر أن هذه الرغبة كانت نابعة من نفسه، بينما عززها آخرون بسبب حالة وجد استبدت به. جهزت الأم زواد السفر للوالد والصبي واستعدا للرحيل إلى القاهرة لزيارة آل البيت. وعند وصول الأب إلى القاهرة، أشار عليه ابنه بأن ينهي الزيارة أولاً قبل أن يقرر.

زار الصبي بصحبة والده أحفاد شمس الهدى، ولاحظ الأب على ابنه حالة من الصمت والشرود أمام ضريح السيدة زينب رضي الله عنها، ثم انهمر بكاءً أشبه بنشيج ممزوج بالحزن. حاول الأب فهم حالته لكنه وجد الأمر عصيًا على الفهم.

خلال الزيارة، قصد الصبي مع والده مقام سيدى أبى البركات ناصر المظلومين «سيدى أحمد الدرديرى» رضي الله عنه، فأعجب بشهامته ونصرته للمظلومين. طلب الصبي آنذاك الإقامة قرب مقام الدرديرى الذي أعجب بحياته ونصرته للمظالم. قضيا فترة الإقامة هناك حيث كان يذهب إلى حلقات الدروس في مساجد الأولياء المجاورة ويصلي الجمعة أسبوعيًا بمسجد الإمام الحسين رضي الله عنه.

لاحظ الأب صفات الواعظ والقائد لدى ابنه الذي أكمل العقد الأول من عمره، فقد شهد أكثر من مرة يقف وسط حارة عنبر ويجمع الأطفال حوله ليخطب فيهم بما سمعه من خطبة الجمعة. ومع ذلك، كان يتعين على الأب العودة إلى جرجا لرعاية أسرته.

لم تشر المصادر التاريخية إلى سبب انتقال الأب لطنطا، لكن محمد ممدوح دبور ذكر في مؤلفه «فوح المسك الزكي في مناقب النشابى» أن الصبي قصد طنطا مع والده للالتحاق بالمسجد الأحمدي كطالب علم. قرر الأب ترك ابنه مع بقية الأطفال ليعتمد على نفسه وعودته إلى جرجا مرة أخرى.

دخل الأب مكتب شيخ المسجد الأحمدي آنذاك السيد إمام القصبى وطلب منه قبول ابنه كطالب. وافق الشيخ بشرط اجتياز اختبار القرآن وبعض الاختبارات في الفقه والعقيدة حسب عمره.

التحق الصبي بأحد الأعمدة ليبدأ اختباره، لكن الشيخ لاحظ شروده وعدم تركيزه أثناء الاختبار. ورغم ذلك، كانت إجابات الصبي مكتملة وكأن شخصًا يملي عليه الإجابة. قرر الإمام مراقبة هذا الطالب لفهم سر تأملاته وصمته.

مرت الأيام وصبينا وحيدًا بحلقة الدرس حتى جاء رجل من العاملين بالمسجد وأخبر الإمام عن وضع الصبي مما أدى لفصله أمام أقرانه وإجباره على العودة إلى بلدته. تأذى الصبي بشدة وشعر بخيبة أمل كبيرة بعد ضياع حلمه في الحصول على إجازة العلم.

• جن الليل..

في تلك الليلة، عقد الفتى العزم وجمع أغراضه للسفر بالقطار متجهًا إلى القاهرة. نام منتظرًا شروق الشمس دون إدراك أنه تحت رعاية إلهية تدبر الأمور. إذ رأى الشيخ القصبى إمام المسجد الأحمدي السيد أحمد البدوى يأتي إليه في المنام ويطالبه بالاعتناء بالفتى محمد عبدالرحيم.

استفاق الشيخ وعزم على اللحاق بالفتى قبل مغادرته القطار للقاهرة، وفي طريقهما التقيا مدير المديرية الذي أخبرهم بأنه يبحث عن طالب علم من الصعيد بناءً على رؤية مشابهة للسيد أحمد البدوى.

نجحوا في اللحاق بالصبي عند رصيف القطار وأخبروه بما حدث مما جعله يسجد شكرًا لله عائدًا هذه المرة ليغترف من العلم بكل شغف.

مرت السنوات وتدرج الفتى حتى أصبح شيخ حلقة أو شيخ عمود بالمسجد الأحمدي وقد شهد له تلامذته بالحكمة والكلمة الطيبة.

• كرامات الشيخ..

نضج الفتى ليصبح رجلًا ثم شيخًا ذو مكانة عالية بين الناس. ومن أبرز كراماته موقف مع أحد مريديه النجّار الذي دعاته امرأة لجعل أعمال النجارة دون دفع الأجر المناسب مما جعله يقع في فخ الخطيئة حتى سمع صوت الشيخ ينادي عليه للخروج فورًا مما أنقذه من مصيره المحتوم.

تروي الكتب أيضًا موقف الشيخ مع أحمد باشا المنشاوى الذي كان يسخر من الدراويش حتى تصدى له السيد محمد عبدالرحيم قائلاً له: “متى سترجع إلى الله وتعلم أنك مخلوق من الطين؟” مما أثر فيه وجعله يتوب ويعتذر للشيخ ويقرر التبرع بأرضه لإنشاء مستشفى ومعهد تدريس لا يزالان قائمين حتى اليوم.

انتشر صيت الشيخ وكان بين الحضور طالب ثانوية يُدعى مصطفى النحاس والذي أصبح لاحقاً رئيس وزراء مصر بعد أن استجاب لتوجيهات الشيخ وعمل بالقضاء حتى كان بجواره عند وفاته حيث رافقه حتى مستقر الجسد داخل مقامه الحالي بمدينة طنطا.