يبدو أن ملف إيران داخل الإدارة الأمريكية الحالية يتحرك على صوتين متوازيين؛ أحدهما يفضل التفاوض والحفاظ على مسار دبلوماسي، والآخر يرى أن القوة العسكرية هي الأداة الفعالة للضغط. هذا التباين لا يقتصر فقط على اختلاف في اللغة، بل ينعكس أيضًا على كيفية نظر واشنطن إلى حدود القوة والتفاهم والزمن المتاح قبل عودة التصعيد.

فانس وخيار التفاوض

جي دي فانس نائب الرئيس قدّم نفسه كطرف يسعى إلى المفاوضات الصعبة وليس القطيعة النهائية؛ حيث يشير في مناسبات عديدة إلى رغبة واشنطن في إيجاد حل دبلوماسي مع إيران “أو خيار آخر”. لكنه يؤكد أيضًا أن انعدام الثقة بين الجانبين لا يمكن حسمه بسرعة، ويشدد على أن الولايات المتحدة لن تتجه للحرب مع إيران إلا إذا اقتضت الضرورة، مع إصراره على أن ترامب يطلب من فريقه السعي نحو اتفاق إذا كان ممكنًا.

كما تحدث فانس عن “فتح صفحة جديدة” مع طهران، مشيرًا إلى انتقال المفاوضات إلى مرحلة فنية. وهذا الخطاب يعكس محاولة لإبقاء باب التسوية مفتوحًا حتى في ظل الاضطرابات السياسية.

ترامب ومنطق الضغط

على الجانب الآخر، تحافظ تصريحات ترامب على نبرة أكثر حدة، مهددًا باستئناف الحرب ومشيرًا إلى ضربات محتملة جديدة. وفي 8 يوليو الجاري، أعلن أن مذكرة التفاهم مع إيران “انتهت” وأنه لا يرغب في التعامل مع طهران.

تحليل مواقفه المتباينة بين الوعد باتفاق قريب والتهديد بنيران وشيكة يكشف أنه يعتبر إيران ساحة اختبار متحركة، حيث يزيد من مستوى الضغط كلما شعر بأن طهران تماطل أو تحاول توسيع هامش المناورة.

لذا فإن بحثه عن توسيع العمليات العسكرية، بما في ذلك الضربات الجوية وخيارات أكثر جرأة قرب مضيق هرمز كما ذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، يبدو امتدادًا طبيعيًا لمنطق الردع الذي يفضله على التسوية البطيئة، خاصة حين يرى أن أدوات التفاوض وحدها غير كافية لفرض الإيقاع الذي يريده.

يتضح هنا الفارق بين الرجلين؛ فهو ليس مجرد اختلاف بين “تفاوض وسياسة تهديد وحرب”، بل يتعلق بتصورين مختلفين لكيفية الوصول إلى نفس النتيجة: فانس يعتمد على ضغط مدروس يؤدي إلى اتفاق، بينما يميل ترامب لاستخدام الصدمة العسكرية لفرض شروط أكثر قسوة.

اقرأ أيضًا: “تاكو” ترامب.. كلمة السر في انسحاب “الرئيس المغامر” من فخ إيران.

كيف تُقرأ السياسة الأمريكية تجاه إيران؟

تعتبر المراكز البحثية الأمريكية هذا التوتر مؤشراً على اختبار حدود القوة وليس مجرد نزوة سياسية عابرة.

وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية؛ لم تعد الحرب مع إيران تُدار بمنطق الضبط الهادئ بل بمنطق التصعيد الأفقي والرأسي. وهذا يشير إلى أن العمل العسكري وحده غير كافٍ وأن تثبيت أي اتفاق يتطلب دبلوماسية فعالة وبنية إقليمية أوسع قادرة على امتصاص الصدمة ومنع جولة جديدة من الانفجار.

لذلك، تسعى التحليلات الغربية لتأكيد رغبة ترامب في الخروج من حرب إيران. لكن الخروج السهل غير متاح لأن أي تصعيد إضافي قد يعيد واشنطن لمواجهة واسعة بلا مخرج واضح.

صحيفة بوليتيكو الأمريكية ذكرت في 11 يوليو الجاري أن فريق فانس مقتنع بأنه يدير الملف “بالطريقة الصحيحة”، مما يوحي بأن البيت الأبيض يحاول تقديم فانس كوجه عقلاني يمكنه امتصاص الانتقادات دون قطع الروابط مع نهج ترامب الأصلي.

الداخل الأمريكي

داخليًا، يقدم هذا التباين فائدة سياسية لكل طرف داخل القاعدة الجمهورية؛ حيث يخاطب فانس الجناح الذي يخشى من التورط الطويل في الشرق الأوسط ويحتاج لرواية تفيد بأن القوة ليست غاية بحد ذاتها وأن التفاوض ما يزال ممكنًا إذا حُددت أهدافه بدقة.

في المقابل، يتوجه ترامب للقاعدة التي ترى أن الحزم هو اللغة الوحيدة المفهومة مع طهران وأن أي مرونة زائدة قد تُعتبر ضعفًا. لذلك يستمر في استخدام التهديد العسكري حتى وهو يترك الباب مواربًا أمام التسوية.

هذا المشهد يمنح الإدارة مرونة تكتيكية ولكنه يحمل أيضًا خطر الرسائل المتضاربة خاصة عندما يسمع الداخل الأمريكي نائب الرئيس يتحدث عن التفاوض بينما يؤكد الرئيس انتهاء الاتفاق أو احتمالية العودة للضربات العسكرية.

الخارج والإقليم

خارجيًا، ينعكس هذا التباين على حلفاء واشنطن وخصومها؛ حيث يقرأ كل طرف الولايات المتحدة من نافذتين: نافذة دبلوماسية تمثلها تصريحات فانس ونافذة ردعية يمثلها ترامب.

في سياق كهذا تظهر أهمية الوسطاء مثل قطر وباكستان وكذلك تقاطعات التغطية الإيرانية؛ إذ إن المفاوضات حول مضيق هرمز والبرنامج النووي والعقوبات لا تجري في فراغ وإنما داخل بيئة حساسة لأي إشارة أمريكية متناقضة.

في تقرير نشر يوم 12 يوليو الجاري أشار المعهد الأمريكي لدراسة الحرب إلى أن طهران ما تزال ترفض أي تسوية تقلل من قدرتها على التحكم في هرمز مما يعني أن أي تفاوض جديد سيبقى هشاً ما دام ملف الممر البحري والعقوبات والردع العسكري مفتوحاً معاً.

اقرأ أيضًا: القنبلة القذرة والكأس المفقودة.. لماذا يحذر الخبراء من توغل بري في إيران؟

خلاف أم توزيع أدوار؟

الأرجح أن الخلاف بين ترامب وفانس ليس شرخاً مكتملًا بقدر ما هو توزيع أدوار داخل إدارة تحاول الجمع بين الضغط والتسوية. ولكن هذا التوزيع قد يصبح مصدر ضعف إذا اعتبرت إيران أو الحلفاء أو الكونجرس أن واشنطن تفتقر لخط ثابت مما يجعل فكرة التفاوض تبدو مجرد تمديد للأزمة بدلاً من حل لها.

لذا يبقى السؤال الحقيقي ليس من يمتلك النبرة الأعلى بل من يستطيع تحويل هذه النبرة إلى سياسة قابلة للبقاء دون الانفجار عند أول اختبار ميداني جديد. تكشف إدارة ترامب للملف الإيراني عن مسيرة البيت الأبيض بين الردع والتفاوض حيث يمثل فانس الوجه الذي يحاول إبقاء باب الصفقة مفتوحاً بينما يستمر الرئيس بالتمسك بالعصا العسكرية.

ورغم أن هذا الأسلوب قد يمنح واشنطن هامش مناورة سريع إلا أنه يؤدي لآثار طويلة الأمد على المصداقية وحسابات إيران ومزاج الحلفاء وصورة الولايات المتحدة بوصفها قوة تعرف ماذا تريد وكيف تصل إليه.