دخلت الساحة السياسية الإسرائيلية مرحلة جديدة بعدما حل الكنيست نفسه، اليوم الجمعة، وحدد موعد الانتخابات العامة المقبلة، وسط مؤشرات على تراجع قوة الائتلاف الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وصعود أحزاب المعارضة في استطلاعات الرأي.

تأتي هذه التطورات في ظل أزمات داخلية وخلافات حول ملفات الحرب والتجنيد والتحالفات السياسية، ما يفتح الباب أمام احتمال تغيير خريطة الحكم بعد سنوات طويلة من هيمنة نتنياهو على المشهد السياسي الإسرائيلي.

وبحسب جريدة “يديعوت أحرونوت”، فقد حل الكنيست نفسه بعد تمرير مجموعة واسعة من مشروعات القوانين في اللحظات الأخيرة للائتلاف الحاكم الذي يقوده نتنياهو.

وقالت الجريدة إن الهيئة العامة للكنيست أقرت بالقراءتين الثانية والثالثة تعديلاً على قانون تمويل الأحزاب تمهيداً لانتخابات الكنيست الـ26، والذي ينص على حل الكنيست وبدء عطلته البرلمانية اعتباراً من اليوم الجمعة، وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية.

وحظي الاقتراح بتأييد 62 عضواً في الكنيست دون أي معارضة أو امتناع عن التصويت، فيما وافق الكنيست الذي لن ينعقد مجدداً قبل الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، على زيادة التمويل الانتخابي المسبق للكتل البرلمانية من 70% إلى 80% من وحدة التمويل لكل عضو كنيست.

دهاء نتنياهو.. هل ينقذه من السقوط؟

وأظهر استطلاع رأي نشرته جريدة “معاريف” الإسرائيلية اليوم الجمعة تقدم أحزاب المعارضة الصهيونية على أحزاب الائتلاف الحاكم بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، حيث حصلت أحزاب المعارضة مجتمعة على 62 مقعداً مقابل 48 مقعداً لأحزاب الائتلاف، فيما حصلت الأحزاب العربية على 10 مقاعد.

انتخابات إسرائيلية على وقع التطرف

وبحسب نتائج الاستطلاع، جاء حزب “يشار” برئاسة جادي آيزنكوت في صدارة النتائج بحصوله على 22 مقعداً متساوياً مع حزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو الذي حصل بدوره على 22 مقعداً؛ فيما حلت قائمة “معا” بقيادة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت ثالثة بـ16 مقعداً، تلاها حزب “الديمقراطيين” بـ11 مقعداً.

مهندس إعدامات الفلسطينيين المنافس الأقوى

وخلال الأشهر الأخيرة، صعد آيزنكوت من لهجة انتقاداته للحكومة مؤكداً أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل وأن إسرائيل لم تنجح في حسم عدد من الملفات الاستراتيجية. وقد لاقت هذه المواقف انتشاراً واسعاً داخل الأوساط الإسرائيلية لكونها صادرة عن شخصية عسكرية رفيعة شغلت أعلى المناصب في جيش الاحتلال الإسرائيلي، بحسب جريدة “يديعوت أحرونوت”.

مهندس إعدامات الفلسطينيين جادي آيزنكوت خلال مشاركته في مظاهرة ضد سياسات نتنياهو.

واشتهر آيزنكوت باتباع سياسة الإعدامات الميدانية للفلسطينيين خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2003 والتي أسفرت عن استشهاد 4412 فلسطينياً وإصابة 48 ألفًا و322 جريحًا. كما قام بملاحقة الناشطين وقادة الفصائل وقتلهم أو الزج بهم في السجون وإصدار أحكام عالية بحقهم كما حدث مع القيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات.

سفاح قانا يخترق المشهد

أما بينيت فهو يعد من القادة الذين لا يخفون توجهاتهم الدينية المتشددة على خلاف عدد من رؤساء الوزراء الإسرائيليين السابقين مثل دافيد بن غوريون وإيهود أولمرت ومناحم بيجن وأرييل شارون وبنيامين نتنياهو الذين وصفوا بدرجات متفاوتة من العلمانية. حيث اكتفوا بإظهار مظاهر دينية محدودة غالبًا ما كانت تستهدف كسب تأييد التيارات الدينية والأرثوذكسية داخل المجتمع الإسرائيلي وفق تقرير سابق نشرته مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية.

إيتمار بن غفير وحملة انتخابية عنصرية

بالعودة إلى نتائج استطلاعات الرأي حصل حزب “يسرائيل بيتنا” على 9 مقاعد وكتلة “التوراة اليهودي الموحد” على 8 مقاعد وهو تحالف سياسي إسرائيلي تأسس عام 1992 يمثل اليهود المتشددين الحريديم الأشكناز ويشمل حزبي “أجودات إسرائيل” و”ديغل هاتوراه” أو ما يعرف باسم راية التوراة المضاءة. وانسحب هذا التحالف من الائتلاف الحكومي لنتنياهو بسبب خلافات حول مشروع قانون إعفاء الحريديم من التجنيد الإلزامي.

أما حزب “القوة اليهودية” الذي يتزعمه وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليمين المتطرف إيتمار بن غفير فقد حصل على 8 مقاعد. وعلى مدى السنوات الماضية ارتبط حزب “القوة اليهودية” بقوانين عنصرية استهدفت إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني قسراً بدءًا بالسلاح والاستيطان وصولًا إلى إعدام الأسرى وتكريس سياسات عنصرية ممنهجة في الأراضي المحتلة.

درعي ذو الأصول المغربية يتحكم بمصير نتنياهو

أما حزب شاس الصهيوني المتطرف فقد كشفت نتائج استطلاعات الرأي حصوله على 7 مقاعد ويقود الحزب أرييه درعي وهو حاخام صهيوني ذو أصول مغربية. وعلى مدى العقود الماضية أدى درعي دورًا محوريًا في ترسيخ حكم نتنياهو إذ فتح أمامه أبواب التحالف مع الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة مستندًا إلى خبرة سياسية تمتد لأكثر من أربعة عقود. لكن دعمه لنتنياهو ظل مشروطاً بجملة من التفاهمات السياسية وفي مقدمتها عدم فرض الخدمة العسكرية الإلزامية على الحريديم.

ومع تعثر نتنياهو مؤخراً في الوفاء بهذا التعهد بدا التحالف بين الرجلين وكأنه يواجه أخطر اختبار له وسط مؤشرات متزايدة على احتمال انهياره مما يهدد بخروج نتنياهو من المشهد السياسي. كما أظهر الاستطلاع أن غالبية ناخبي أحزاب المعارضة الصهيونية تعارض انضمام الأحزاب الحريدية إلى أي حكومة مستقبلية بعد الانتخابات إذ بلغت نسبة الرافضين لذلك 83% مقابل 8% فقط أبدوا تأييدهم لهذا الخيار.

في المحصلة تعد الانتخابات الإسرائيلية القادمة بمثابة مرحلة سياسية مفصلية وسط منافسة حادة تهدد استمرار هيمنة نتنياهو على المشهد السياسي. وبينما تراهن المعارضة على تراجع شعبية الائتلاف الحاكم يبقى مستقبل الحكم مرهونًا بقدرة الأطراف المتنافسة على تشكيل تحالفات جديدة بعد صناديق الاقتراع.