لم يكن إدراج شركات تصميم الدوائر الإلكترونية وأشباه الموصلات والأنظمة المدمجة ضمن برنامج تنمية الصادرات مجرد تعديل في آليات رد أعباء التصدير، بل يمثل تحولًا في السياسة الصناعية والتصديرية التي تقودها وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. إذ باتت الوزارة تركز على تعزيز مساهمة الصادرات المعرفية والأنشطة ذات القيمة المضافة المرتفعة في هيكل الاقتصاد المصري.
فالوزارة لا تسعى فقط إلى زيادة عدد الشركات المستفيدة من الحوافز، بل تهدف إلى إعادة توجيه الدعم الحكومي نحو القطاعات التي تحقق أعلى عائد اقتصادي، وتعتمد على رأس المال البشري والابتكار بدلاً من الصناعات كثيفة الموارد.
بدلاً من التركيز على التصنيع فقط، أصبح الاهتمام ينصب على تصميم الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات والأنظمة المدمجة، وهي الحلقة التي تحقق أعلى هوامش الربحية وتستحوذ على نسبة كبيرة من القيمة الاقتصادية للمنتج النهائي.
لذا، فإن دعم شركات التصميم لا يضيف صادرات جديدة فحسب، بل يرفع أيضًا متوسط القيمة المضافة للصادرات المصرية، وهو أحد المؤشرات التي تقيس جودة النمو الاقتصادي. وقد اختارت وزارة الاتصالات ربط هذه الشركات ببرنامج تنمية الصادرات لمدة سبع سنوات في توقيت يشهد نموًا عالميًا غير مسبوق في الطلب على تصميم الرقائق الإلكترونية، مدفوعًا بالتوسع في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والسيارات الذكية وإنترنت الأشياء. ما يشير إلى أن مصر تستهدف زيادة حصتها من سوق تصدير الخدمات التكنولوجية، وهو سوق يتمتع بعوائد مرتفعة ولا يرتبط بقيود النقل أو سلاسل الإمداد التقليدية كما هو الحال في الصناعات التحويلية.
اقتصاديًا، فإن إدراج هذه الأنشطة ضمن برنامج رد أعباء الصادرات يقلل من التكلفة التشغيلية للشركات ويحسن قدرتها التنافسية أمام مراكز التصميم الإقليمية والعالمية، خاصة في الأسواق التي تعتمد على الحوافز الحكومية لجذب استثمارات التكنولوجيا المتقدمة.
كما أن ربط الحوافز بالنمو الفعلي للصادرات والحفاظ على العمالة يجعل الدعم قائمًا على مؤشرات الأداء وليس مجرد منح مالية، مما يعزز كفاءة الإنفاق العام ويزيد من العائد الاقتصادي للحوافز.
ولا يمكن فصل هذه الخطوة عن استراتيجية وزارة الاتصالات لبناء اقتصاد رقمي قائم على المعرفة. حيث تتضمن هذه الاستراتيجية مبادرة “مصر تصنع الإلكترونيات” والتوسع في شركات تصميم الإلكترونيات وإنشاء التحالف المصري لأشباه الموصلات والاستثمار في تنمية المهارات الرقمية والهندسية.
تراهن الوزارة على أن امتلاك قاعدة من المهندسين المتخصصين، بالإضافة إلى وجود أكثر من 86 شركة تعمل بالفعل في تصميم الإلكترونيات والأنظمة المدمجة، يمنح مصر فرصة للتحول إلى مركز إقليمي لخدمات التصميم والتطوير بدلاً من أن تكون مجرد مركز للتصنيع.
في الوقت نفسه، جاء الربط مع وزارة الاستثمار في ملف رقمنة خدمات المستثمرين ليعكس توجهًا نحو معالجة جانب آخر من معادلة التنافسية وهو تقليل تكلفة ممارسة الأعمال. إذ أن إعادة هندسة إجراءات التراخيص وربط الجهات الحكومية رقميًا يقلص زمن إصدار الموافقات ويخفض التكلفة الإدارية ويرفع كفاءة دورة الاستثمار. وهذه عوامل أصبحت لا تقل أهمية عن الحوافز المالية عند اتخاذ قرارات الاستثمار.
يمكن اعتبار هذه الخطوة مؤشرًا على تغير أولويات السياسة الاقتصادية؛ إذ لم يعد الهدف مقتصرًا على زيادة حجم الصادرات فحسب، بل رفع جودة الصادرات عبر التركيز على الأنشطة كثيفة التكنولوجيا والمعرفة. كما تعكس إدراكًا متزايدًا بأن المنافسة العالمية خلال السنوات المقبلة لن تكون في الصناعات التقليدية بل في اقتصاد أشباه الموصلات الذي أصبح أحد أهم القطاعات الاستراتيجية عالميًا وسط الطفرة التي يشهدها الذكاء الاصطناعي.
وبذلك، فإن وزارة الاتصالات لا تراهن فقط على دعم قطاع جديد بل تراهن أيضًا على إعادة تموضع مصر داخل سلاسل القيمة العالمية للتكنولوجيا. مما يعزز قدرتها على جذب الاستثمارات النوعية وزيادة صادرات الخدمات الرقمية ورفع مساهمة الاقتصاد المعرفي في الناتج المحلي الإجمالي.

