ربما لم تحظَ منطقة وسط أفريقيا بالاهتمام الذي نالته أسواق أفريقية أخرى، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن هذا الوضع بدأ يتغير. يجمع الإقليم بين قاعدة سكانية كبيرة، وثروات طبيعية هائلة، واحتياجات تأمينية واسعة لم تُلب بعد. تتسارع الإصلاحات التشريعية، ويتزايد انتشار التكنولوجيا المالية، وترتفع شهية المستثمرين تجاه الأسواق الناشئة. وفي صناعة التأمين، غالبًا ما تكون أكبر الفرص في الأسواق التي لا تزال في بداية مسارها، وليس في تلك التي وصلت إلى مرحلة التشبع.

تأمينات الحياة

كانت تأمينات الحياة من أقل فروع التأمين انتشاراً في دول وسط أفريقيا، ليس بسبب ضعف الحاجة إليها، وإنما نتيجة عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية تراكمت على مدى عقود. لا يزال متوسط الدخل في عدد من دول الإقليم محدوداً، مما يجعل الإنفاق على التأمين طويل الأجل أقل أولوية بالنسبة للكثير من الأسر مقارنة بالاحتياجات المعيشية الأساسية. كما أن انخفاض الوعي بأهمية الادخار التأميني وضعف انتشار المنتجات المرتبطة بالتقاعد أو التعليم أو حماية الأسرة أسهما في بقاء معدلات انتشار تأمينات الحياة عند مستويات متواضعة مقارنة بالأسواق الأكثر تطوراً في أفريقيا مثل جنوب أفريقيا والمغرب ومصر.

التأمين الطبي

كشفت جائحة كورونا بوضوح حجم الفجوة في نظم التمويل والرعاية الصحية في العديد من دول وسط أفريقيا، وأعادت التأكيد على أهمية التأمين الطبي كأداة للحماية الاجتماعية والاقتصادية. لا تزال نسبة كبيرة من الإنفاق الصحي في الإقليم تعتمد على السداد المباشر من المواطنين عند تلقي الخدمة، مما يفرض أعباء مالية كبيرة على الأسر خاصةً في حالات الأمراض المزمنة أو العمليات الجراحية أو الحوادث.

خلال السنوات الأخيرة، اتجهت بعض الحكومات إلى دراسة أو تنفيذ برامج للتغطية الطبية مع تشجيع القطاع الخاص على تقديم حلول تأمينية للأفراد والشركات. بدأت شركات التأمين أيضًا التعاون مع المستشفيات وشركات التكنولوجيا لتطوير خدمات إصدار الوثائق الرقمية وسداد المطالبات إلكترونيًا وإدارة الشبكات الطبية بصورة أكثر كفاءة.

يمثل هذا الفرع أحد أكبر مجالات النمو المستقبلية خصوصاً مع تزايد أعداد السكان وارتفاع متوسط العمر المتوقع وزيادة الطلب على الخدمات الطبية الحديثة.

التأمين الزراعي

يُعد القطاع الزراعي مصدراً رئيسياً للدخل في العديد من دول وسط أفريقيا ويقدم فرص عمل لملايين السكان، إلا أنه يواجه أخطاراً متزايدة ترتبط بالتغيرات المناخية مثل الجفاف والفيضانات والآفات الزراعية وعدم انتظام مواسم الأمطار. ورغم هذه المخاطر، لا يزال التأمين الزراعي محدود الانتشار بسبب ارتفاع تكلفة تقييم الأخطار وصعوبة الوصول إلى المزارعين في المناطق النائية وضعف البيانات المناخية والإنتاجية.

إلا أن التطورات التكنولوجية بدأت تغير هذه المعادلة. فقد أصبح بالإمكان استخدام صور الأقمار الصناعية والبيانات المناخية وتقنيات الاستشعار عن بُعد لتقدير حجم الأضرار بصورة أكثر سرعة ودقة. كما ظهرت منتجات تعتمد على مؤشرات الطقس بدلاً من المعاينات التقليدية مما يقلل تكلفة التشغيل ويسرع صرف التعويضات.

يُتوقع أن يزداد الاهتمام بالتأمين الزراعي خلال السنوات المقبلة خاصة مع تزايد الاهتمام العالمي بالأمن الغذائي واتساع برامج تمويل الزراعة وحرص المؤسسات الدولية على دعم صغار المزارعين لمواجهة آثار تغير المناخ.

التوقعات المستقبلية لنمو صناعة التأمين في وسط أفريقيا

تشير معظم المؤشرات الاقتصادية إلى أن العقد المقبل قد يمثل نقطة تحول حقيقية لقطاع التأمين في الإقليم إذا استمرت الإصلاحات الحالية ونجحت الحكومات في تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمؤسسي. ومن المرجح أن ترتفع مساهمة القطاع في الاقتصادات الوطنية مع توسع الاستثمارات في الطاقة والتعدين والبنية التحتية والزراعة وزيادة الطلب على التأمينات التجارية والهندسية بالإضافة إلى نمو التأمين الطبي وتأمينات الحياة.

كما يُتوقع أن يصبح الهاتف المحمول والمنصات الرقمية القناة الرئيسية لتوزيع المنتجات التأمينية مما يسمح بوصول الخدمات إلى ملايين العملاء الجدد الذين لم يسبق لهم التعامل مع شركات التأمين. ستلعب التكنولوجيا دوراً أكبر في تقييم الأخطار وتسعير الوثائق واكتشاف الاحتيال وتسوية المطالبات مما يعزز كفاءة الشركات ويخفض تكلفة تقديم الخدمات.

ومع ذلك ستظل هناك تحديات لا يمكن تجاهلها تشمل استمرار التفاوت الاقتصادي بين دول الإقليم ومخاطر التغيرات المناخية والحاجة إلى تطوير الكفاءات البشرية وتعزيز الثقة في المنتجات التأمينية وتحسين جودة البيانات والإحصاءات.

على الرغم من ذلك فإن الاتجاه العام يشير إلى أن وسط أفريقيا قد تنتقل خلال السنوات العشر المقبلة من كونها منطقة ذات نشاط تأميني محدود إلى واحدة من أسرع الأسواق نمواً في القارة خاصةً إذا نجحت في استثمار مواردها الطبيعية وتحسين بيئة الأعمال والاستفادة من التحول الرقمي.