Published On 18/7/2026.
في عصر أصبح فيه الاعتزال المبكر خياراً واقعياً للعديد من نجوم الصف الأول، يواصل أسطورة الأرجنتين ليونيل ميسي كتابة نهاية مختلفة لمسيرته.
البطولة التي اعتقد كثيرون أنها ستكون آخر ظهور له في كأس العالم قبل أربعة أعوام، تحولت في مونديال 2026 إلى منصة جديدة يثبت فيها النجم الأرجنتيني أن التقدم في العمر لم يؤثر على تأثيره، بل أعاد تشكيله بصورة أكثر نضجاً وذكاء.
عقب قيادته الأرجنتين إلى نهائي مونديال قطر 2022، عبر ميسي عن سعادته بالوصول إلى النهائي قائلاً: “أنا سعيد جداً بإنهاء مشواري في كأس العالم بخوض مباراة نهائية، وأن أشارك في آخر مباراة لي هنا في النهائي”.
لكن ما حدث بعد ذلك تجاوز توقعاته وتوقعات الجميع. لم يكتف صاحب الرقم 10 بالظهور في مونديال جديد، بل كان اللاعب المحوري في منظومة “التانغو”، والقائد الذي يحدد إيقاع الفريق داخل الملعب.
ويعود سر استمرار ميسي في القمة بعمر 39 عاماً إلى التحول الجوهري الذي طرأ على أسلوبه. فلم يعد يعتمد على الانطلاقات السريعة والمراوغات المتكررة التي صنعت مجده في سنواته الأولى، بل أصبح يعتمد على قراءة المباراة واختيار اللحظة المناسبة واستغلال المساحات قبل ظهورها.
لقد تحولت قوته الأساسية من سرعة القدمين إلى سرعة التفكير، وهو ما جعله أكثر خطورة على المنافسين رغم تراجع معدلاته البدنية.
سيخوض ميسي نهائي 2026 بعمر 39 عاماً و25 يوماً، ليصبح أكبر لاعب ميدان يشارك في نهائي كأس العالم، ولا يتفوق عليه تاريخياً سوى الحارس الإيطالي دينو زوف الذي خاض نهائي 1982 بعمر 40 عاماً و133 يوماً.
أرقام خارج المألوف
تشير بيانات شبكة “أوبتا” (Opta) إلى أن ميسي يملك فرصة تحطيم الرقم القياسي لأكبر هداف في نهائي كأس العالم، والمسجل باسم السويدي نيلس ليدهولم الذي سجل أمام البرازيل في نهائي 1958 بعمر 35 عاماً و264 يوماً.
كما يستعد لخوض مباراته الـ34 في كأس العالم، متفوقاً بفارق سبع مباريات عن غريمه البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي خرج من البطولة مجدداً قبل الوصول إلى المشهد الختامي.
للمرة الثانية توالياً، تحمل ميسي العبء الأكبر في رحلة الأرجنتين نحو النهائي. فقد ساهم في 12 هدفاً من أصل 19 سجلها المنتخب في مونديال 2026، بواقع ثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة، بالإضافة إلى مساهمته في الهدف العكسي أمام كاب فيردي بعد عرضية حاسمة.
وفي مونديال قطر، ساهم أيضاً في ثمانية أهداف من أصل 12 للأرجنتين قبل أن يسجل ثنائية في النهائي أمام فرنسا.
القائد فوق الجميع
هذا الاعتماد الكبير يعيد إلى الأذهان نسخة دييغو مارادونا في مونديال 1986، حين كان النجم الأرجنتيني مركز الثقل الأول لفريقه. منذ عام 1966، لم ينجح سوى سبعة لاعبين فقط في تجاوز حاجز الـ30 مساهمة بالتسديدات مع المشاركة بنصف محاولات فريقهم الهجومية خلال نسخة واحدة. وقد كان ميسي حاضراً مرتين ضمن هذه القائمة: عامي 2022 و2026، بينما ظهر مارادونا بنسبة بلغت 55.7% عام 1986.
نسخة أكثر نضجاً
واللافت أن انفجار ميسي التهديفي جاء في المرحلة الأخيرة من مسيرته. فرغم حصوله على جائزة أفضل لاعب في مونديال 2014، فإن أرقامه خلال النسخ الأربع الأولى لم تعكس حجم موهبته. إلا أنه سجل وصنع معًا 22 هدفًا خلال مباراتين فقط ضمن مونديالي 2022 و2026 مقابل فقط 11 مساهمة بين عامي 2006 و2018.
كما تغير حضوره بشكل واضح خلال الأدوار الإقصائية؛ حيث تمكن أخيراً من تسجيل سبعة أهداف وصناعة ستة أخرى خلال ثماني مباريات بعد فشله سابقًا بالتسجيل خلال ثماني مباريات إقصائية قبل مونديال قطر.
سلاح الذكاء
باتت تحركات ميسي أكثر ذكاءً؛ إذ يميل عند اللحظات الحاسمة للانتقال من العمق نحو الجهة اليمنى لاستغلال المساحات خلف الدفاعات المتراجعة. كما ارتفعت نسبة لمساته داخل “المنطقة رقم 14” أمام منطقة الجزاء إلى 19% من إجمالي لمساته وهي النسبة الأعلى له خلال مسيرته المونديالية مقارنة بـ16% عام 2022.
إرث يتجاوز الأرقام
في المشهد الأخير من رحلته المونديالية، يواجه ميسي إسبانيا البلد الذي احتضنه منذ شبابه وشهد تحوله إلى أسطورة بقميص برشلونة حيث سجل خلالها 672 هدفًا خلال 778 مباراة. قد لا يمنحه اللقب الثالث مع الأرجنتين معادلة رقم بيليه لكنه سيضعه ضمن نخبة اللاعبين الذين توجوا بكأس العالم مرتين.
لقد أثبت ميسي أن العبقرية لا ترتبط فقط بسرعة الجسد بل بقدرة العقل على التحكم باللعبة. وبينما ظن البعض أن العمر والانتقال إلى الدوري الأمريكي قد يقللان من تأثيره جاء مونديال 2026 ليؤكد أن اللاعب الأكثر تأثيرًا بجيله لا يزال قادراً على صناعة التاريخ حتى وهو يقترب من آخر صفحة بحكايته.

