أكد الشيخ حجاج الفيل، من علماء الأزهر الشريف، أن الصراع الذي دار بين إخوة يوسف رغم نشأتهم في بيت نبوة وعلم يعيد إلى الأذهان الجريمة الأولى في تاريخ البشرية بين ابني آدم، وهو ما يبرهن على أن غواية الشيطان قادرة على اختراق الحصون الأسرية إذا ما تملك الحسد من القلوب.

وأوضح الشيخ حجاج الفيل، خلال لقائه مع الإعلامي أشرف محمود في برنامج “الكنز” المذاع على قناة “الحدث اليوم”، أبعاد هذه المواجهة النفسية قائلاً: “إن البطل الحقيقي في قصة يوسف هو نبي الله يعقوب الذي فطن مبكراً لمداخل الشيطان. فحين قصّ عليه يوسف رؤياه قال له مستشرفاً الخطر: {يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا}. والقاعدة هنا أن الشيطان قد يسيطر على أخيك في لحظة ضعف، فالواجب الأمني والشرعي يفرض عليك ألا تكون عوناً للشيطان على أخيك بإثارة كوامن الغيرة لديه.”.

وأشار إلى أن جملة “العين لا تحب الأعلى منها” هي من التعبيرات المغلوطة التي يرسخها الشيطان في النفوس ليجعل من الحسد مسلكاً رئيسياً يمسك من خلاله بزمام التحكم في تصرفات الإنسان، حيث يبدأ الشخص في استكثار نعمة الله على أخيه بدلاً من الدعاء له بالبركة.

وتطرق إلى الآية الكريمة: {إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} موضحاً أن الإخوة وقعوا في فخ فساد التصور حين اعتقدوا أن قوتهم العددية وجاهزيتهم لخدمة والدهم “ونحن عصبة” تمنحهم الحق في الاستئثار بالمحبة القلبية كاملة.

وفنّد الفكرة الشائعة بأن نبي الله يعقوب قد فضّل يوسف جوراً، قائلاً: “نبي الله يعقوب لم يظلم أولاده الكبار، لكن قربه من يوسف وأخيه الشقيق بنيامين كان دافعه رعاية استثنائية؛ فيوسف فقد أمه في سن صغيرة، وكان هو وأخوه الأصغر سناً بين الأبناء. القلب الإنساني يدنو طبيعياً من الصغير حتى يكبر، ومن المريض حتى يشفى، ومن الغائب حتى يعود. هذا ميل رعاية وليس تمييزاً وجوراً. لكن الفهم الخاطئ للإخوة هو ما قادهم للجريمة.”.

ووجه رسالة تحذيرية شديدة اللهجة إلى الآباء والأمهات في العصر الحالي، مشدداً على أن التفرقة بين الأبناء في المعاملة أو العطية المادية هي الوقود الأول الذي يشعل النيران بين الأشقاء. وأكد على القواعد الشرعية الحاكمة للتربية التي تستوجب التسوية بين الأولاد الكبير والصغير والولد والبنت حتى في الهبات والعطايا البسيطة تلافياً لزرع الأحقاد. واستند إلى قوله تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا}؛ فقد يظن الأب أن ابناً بعينه هو الأبرّ به ثم تتبدل الأحوال ليصبح العاق سلفاً هو البار خلفاً والعكس صحيح. كما أشار إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} و{وَإِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ} مؤكداً أن هذه الآيات رغم أسباب نزولها الخاصة تضع حداً فاصلاً للآباء بأن سوء التربية وإهمال العدالة قد يحول النعمة (الأبناء) إلى فتنة وعداوة تقوض استقرار الأسرة والمجتمع.