ساعات قليلة احتاجها فيديو الشاحنتين المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليحقق ملايين المشاهدات. لكن اللافت لم يكن المشهد نفسه، بل الجدل الذي أشعله بين المستخدمين. فقد أكد البعض أن الفيديو حقيقي ويوثق لحظة إنقاذ نادرة، بينما رأى آخرون أنه مصنوع باستخدام الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، اتضح لاحقًا أن الحقيقة تقع في منطقة وسطى بين الرأيين.

لم تعد هذه الحالة استثنائية، بل أصبحت تعكس واقعًا جديدًا فرضته تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم تقتصر على إنتاج محتوى مزيف فحسب، بل باتت قادرة أيضًا على “إعادة تشكيل المحتوى الحقيقي” بإضافة لقطات أو تعديل أجزاء منه، مما يجعل من الصعب على المشاهد العادي معرفة أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ الذكاء الاصطناعي.

فيديو الشاحنتين يجمع بين الحقيقة والذكاء الاصطناعي

أما الجزء الذي يبدأ بعد انفجار الإطار، فيبدو أنه يعتمد على لقطات حقيقية للحادث، مما جعل الفيديو يبدو متماسكًا وصعب الاكتشاف بالنسبة للمشاهد العادي.

الذكاء الاصطناعي شاهد ومتهم في الوقت نفسه

إلا أن المفارقة تكمن في أن الذكاء الاصطناعي أصبح يؤدي دورين متناقضين؛ فهو الأداة المستخدمة لإنشاء أو تعديل الفيديوهات، وهو أيضًا الوسيلة التي يلجأ إليها المستخدمون لتحليل هذه المقاطع وكشف أي تلاعب فيها. خلال انتشار فيديو الشاحنتين، استعان كثير من المستخدمين بروبوتات الدردشة وأدوات تحليل الصور والفيديو لمعرفة ما إذا كان المقطع حقيقيًا أم لا. لكن حتى هذه الأدوات لم تقدم إجابة واحدة؛ إذ اختلفت نتائج التحليل تبعًا للأداة المستخدمة وجودة الفيديو والنسخة التي جرى تحليلها. وهذا زاد حالة الجدل بدلًا من إنهائها، مما ينقلنا من سؤال “هل الفيديو مزيف؟” إلى سؤال “ما الجزء الحقيقي وما الجزء الذي عدله الذكاء الاصطناعي؟”.

هذا التحول يجعل التحقق من المحتوى أكثر تعقيدًا؛ لأن بعض المقاطع قد تكون مبنية على تسجيلات حقيقية لكنها تتضمن مشاهد أُضيفت لاحقًا لإكمال القصة أو جعلها أكثر إثارة دون أن يلاحظ المشاهد ذلك.

لماذا يختلف الناس حول الفيديو نفسه؟

يرجع ذلك إلى أن العين البشرية ليست مهيأة دائمًا لاكتشاف التعديلات الدقيقة التي تنتجها أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة، خاصة مع التطور الكبير في جودة الفيديوهات المولدة. كما أن أدوات كشف المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ؛ فهي تعتمد على مؤشرات فنية قد تتأثر بجودة الضغط وإعادة النشر وقص الفيديو أو دمج لقطات من مصادر مختلفة. لذلك قد تعطي أداة نتيجة مختلفة عن أخرى أو تختلف نتائج التحليل مع توفر نسخة أعلى جودة من المقطع.

عندما يصبح المزيف أكثر إقناعًا من الحقيقة

لكن ما يجعل هذا الفيديو لافتًا للنظر ليس فقط جودة الصورة أو دقة التفاصيل، وإنما قدرة تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة على إنتاج مشاهد يصعب على المشاهد العادي التمييز بينها وبين الفيديوهات الحقيقية. خلال العامين الماضيين شهدت أدوات توليد الفيديو تطورًا هائلًا وأصبحت قادرة على محاكاة حركة المركبات والإضاءة والظلال وزوايا التصوير وحتى اهتزاز الكاميرا بدرجة تجعل كثيرًا من المستخدمين يصدقون ما يشاهدونه دون تردد. بينما كانت الصور المزيفة في السابق أسهل في الاكتشاف، أصبحت الفيديوهات اليوم أكثر إقناعًا، مما يزيد من خطورة انتشار المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي.

كما لم يعد إنتاج فيديو احترافي يتطلب استوديو تصوير أو معدات باهظة الثمن؛ إذ توفر منصات متخصصة مثل Google Veo 3 وRunway Gen-4 وKling AI وHailuo AI وPika إمكانية إنشاء مقاطع فيديو واقعية بمجرد كتابة وصف نصي. مع تحسينات مستمرة جعلت النتائج أكثر إقناعًا من أي وقت مضى، وأصبح بإمكان هذه الأدوات إنتاج مشاهد لحوادث أو كوارث أو شخصيات عامة أو أحداث لم تقع أصلًا، مما يفرض تحديات جديدة أمام وسائل الإعلام والمستخدمين على حد سواء.

أزمة ثقة جديدة على الإنترنت

تكشف هذه القصة عن أزمة أعمق من مجرد مقطع متداول؛ إنها تراجع الثقة في المحتوى الرقمي. اليوم قد يشكك البعض في فيديو حقيقي لأنه يبدو “أكثر من اللازم” بينما قد يصدق آخرون فيديو مصنوع بالكامل لأنه متقن التنفيذ. أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على خلق مفارقة غير مسبوقة؛ فكلما أصبحت أدواته أكثر تطورًا أصبح من الأصعب على المستخدمين الاتفاق على حقيقة ما يشاهدونه حتى عندما يتعلق الأمر بالفيديو نفسه.

كيف تتأكد من أن الفيديو حقيقي؟

  • * تحقق من وجود تغطية إعلامية: إذا كان الفيديو يوثق حادثًا كبيرًا فمن المفترض أن تتناوله وسائل إعلام موثوقة أو تنشره جهات رسمية.
  • * دقق في التفاصيل: راقب حركة الأشخاص أو المركبات والظلال والانعاكسات والإضاءة فقد تكشف بعض التشوهات عن استخدام الذكاء الاصطناعي.
  • * استخدم البحث العكسي: ابحث عن لقطات مشابهة أو النسخة الأصلية للفيديو فقد تكتشف أنه قديم أو جرى التلاعب به.
  • * استعن بأدوات الكشف عن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي: توجد أدوات متخصصة لتحليل الصور والفيديو لكنها تقدم مؤشرات وليست دليلًا قاطعًا.
  • * لا تعتمد على أداة واحدة: قد تختلف نتائج أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل الفيديو نفسه لذا يُفضل مقارنة أكثر من مصدر وأكثر من أداة.
  • * تجنب مشاركة الفيديو قبل التحقق: إذا لم تتمكن من التأكد من صحته فمن الأفضل عدم إعادة نشره حتى لا تساهم في انتشار معلومات مضللة.