أثارت واقعة محافظ قنا في مستشفى قنا العام حالة من الجدل الواسع في الشارع القنائي والأوساط الطبية، إثر القرار المفاجئ الذي أصدره المحافظ اللواء الدكتور مصطفى الببلاوي بإقالة مدير المستشفى، الدكتور محمد الديب، وتكليف إدارة جديدة بتسيير العمل.
وجاء القرار على خلفية جولة تفقدية مفاجئة رصد خلالها المحافظ تدني مستويات النظافة، إلى جانب تراكم شكاوى المرضى من نقص الخدمات. وقد وضع هذا المشهد الجميع أمام قراءتين متباينتين تتجاوزان حدود المحافظة، لتطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمثل هذا الإجراء حجر الزاوية في فرض الانضباط الإداري، أم أنه مجرد خطوة للاستهلاك الإعلامي بحثًا عن بطولات افتراضية؟
لمشاهدة الفيديو اضغط هنا.
الأداء الميداني.. مطرقة التقصير واستراتيجية الردع الفوري
تستند الرؤية الرسمية المؤيدة لقرار المحافظ إلى مبدأ “المحاسبة الناجزة” في موقع العمل؛ إذ يرى أنصار هذا التوجه أن القيادات التنفيذية ملزمة بالتعامل بحزم مع أي تراخٍ يمس كرامة المواطن أو يهدد سلامته الصحية.
وقد جاءت المعاينة المباشرة لتدني مستوى الخدمات خلال الجولة التفقدية غير المعلنة، والاستماع إلى شكاوى الأهالي بشأن نقص المستلزمات الطبية واضطرارهم إلى شرائها من خارج المستشفى، لتشكل دافعًا لاتخاذ إجراءات فورية تستهدف كسر الجمود الإداري، وتبعث برسالة حاسمة إلى المسؤولين بأن التفريط في الحقوق الأساسية للمواطنين يمثل خطًا أحمر لا يقبل التهاون.
«كبش الفداء».. اختزال أزمة هيكلية
في المقابل، تتبنى دوائر صحية وإدارية قراءة مغايرة، ترى في هذا الإجراء تبسيطًا مخلًا لملف شديد التعقيد، واختزالًا لأزمة مزمنة في شخص مدير المستشفى.
ويكشف الواقع الراهن للقطاع الصحي الحكومي عن معضلات هيكلية ممتدة؛ إذ أصبح مشهد افتراش المرضى للممرات متكررًا في عدد من المستشفيات، مما يعكس أوجه القصور التي تعانيها المنظومة الصحية في ظل نقص حاد في المخصصات المالية وعجز متراكم في الأطقم الطبية وضعف توفير المستلزمات الأساسية. وهذه ملفات تخرج إلى حد كبير عن نطاق صلاحيات الإدارات المحلية للمستشفيات.
ومن هذا المنطلق، يرى بعض المتابعين أن الإقالات التي تُوثق أمام الكاميرات قد تُفهم بوصفها محاولة لتقديم مسؤول بعينه بوصفه “كبش فداء” لامتصاص حالة الغضب العام وإظهار قدر من الانضباط الإداري بدلًا من تبني حلول جذرية تعالج أسباب الأزمة المتعلقة بضعف التمويل وغياب البيئة المهنية الملائمة.
سيكولوجية الكاميرا.. إرضاء الشارع أم إحباط الجسد الطبي؟
بين هذين التوجهين، تبرز معضلة تداخل العمل التنفيذي مع التوثيق الإعلامي؛ إذ يرى مراقبون للشأن المحلي أن الاستعانة بالكاميرات لرصد إجراءات المحاسبة الفورية تحولت إلى أداة مزدوجة الحد.
ففي الوقت الذي تنجح فيه هذه المشاهد في إرسال رسالة طمأنة سريعة إلى الرأي العام وتعكس صورة عن المتابعة والسيطرة، فإنها قد تُحدث أثرًا عكسيًا داخل الجسد الطبي؛ إذ يصفها البعض بأنها نوع من “التشهير الإداري” الذي قد يمس هيبة الكوادر الطبية ويحملها تبعات إخفاقات تتعلق بسياسات التمويل والتخطيط وهي مسؤوليات تتجاوز في كثير من الأحيان صلاحيات العاملين داخل المستشفيات. وبذلك، قد يفقد العمل الميداني جزءًا من مضمونه الرقابي ليصبح – في نظر منتقديه – مشهدًا ذي طابع استعراضي.
معركة الحصانة النقابية.. انتفاضة مهنية أم دفاع عن القيادات؟
ولعل ما أضفى على المشهد مزيدًا من السخونة هو رد الفعل السريع والحاد من جانب نقابة الأطباء التي سارعت إلى إصدار بيانات تنديد شديدة اللهجة رفضًا لقرار الإقالة.
ويطرح هذا الموقف تساؤلًا يتردد في أوساط المتابعين: لو كان المسؤول المُقال طبيبًا لا يشغل منصب نقيب الأطباء بالمحافظة، هل كانت النقابة ستتحرك بالوتيرة نفسها وبالقدر ذاته من الحدة؟
ويرى بعض المراقبين أن سرعة هذا التحرك قد تعكس نمطًا مؤسسيًا يمنح القيادات النقابية اهتمامًا ودعمًا أكبر مما يحظى به كثير من الأطباء في الصفوف الأمامية. وهو ما يدفع البعض إلى تفسير هذا التضامن في إطار توازنات النفوذ والمكانة بينما يراه آخرون دفاعًا مشروعًا عن الإجراءات القانونية والكرامة المهنية.
ما بعد الإقالة.. الدائرة المفرغة وغياب الرؤية المستدامة
إن فك الاشتباك بين الأجهزة التنفيذية والمؤسسات النقابية يتطلب تجاوز دائرة ردود الأفعال الآنية والانتقال إلى تبني سياسات إصلاحية مستدامة.
فإقالة مدير وتعيين آخر قد تمثل استجابة مباشرة لمشكلة قائمة لكنها لا تكفي وحدها لمعالجة جذور الأزمة. فالمنظومة الصحية لن تستقيم إلا بإعادة النظر في آليات دعم المستشفيات الإقليمية وزيادة المخصصات المالية وتوفير بيئة عمل جاذبة للأطباء تحد من هجرتهم. بالإضافة إلى ذلك يجب وضع معايير واضحة وشفافة للمحاسبة والتقييم تُطبق وفق الأطر القانونية والمؤسسية بعيداً عن ضغوط المشهد الإعلامي أو منصات التواصل الاجتماعي.
رؤية استشرافية.. ما وراء الكاميرا وتحدي بناء الثقة
في نهاية المطاف تكشف واقعة مستشفى قنا العام أن معركة الإصلاح لا تُحسم بقرارات الإقالة وحدها وإنما بمدى القدرة على معالجة الأزمات المتراكمة وإعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والطبيب والمسؤول.
فإن تحويل المنشآت الطبية إلى ساحات للتراشق الإعلامي أو الاصطفاف النقابي لن يغير من واقع نقص الإمكانات أو ازدحام الممرات بالمرضى ما لم يصاحبه إصلاح حقيقي يعالج أسباب الأزمة من جذورها.
ويبقى التحدي الحقيقي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من التركيز على “الحدث” إلى صناعة “الأثر” عبر سياسات صحية مستدامة تضمن تطوير الخدمات وتحسين بيئة العمل وتعزيز كفاءة الإدارة بما يكفل حق المواطن في الحصول على رعاية صحية لائقة بعيداً عن رهان اللقطات المؤقتة أو المعارك العابرة.

