قال خبراء اقتصاديون إن أسعار النفط الحالية لا تعكس الطلب الحقيقي على الخام، بل تتحرك بشكل رئيسي بفعل المضاربات وهدوء التوترات الجيوسياسية، متوقعين أن تبدأ الأسعار في الارتفاع تدريجيًا مع توجه الدول لإعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية بعد السحب منها خلال الأزمة الأخيرة.
وأضافوا لـ”مصراوي” أن وتيرة الارتفاع لن تكون حادة، في ظل تباطؤ الاقتصاد العالمي وضعف الطلب، إلى جانب وفرة المعروض لدى الدول المنتجة، مرجحين ألا تتجاوز الأسعار مستوى 80 دولارًا للبرميل خلال الفترة المقبلة، رغم الضغوط المحتملة الناتجة عن إعادة تكوين المخزونات الاستراتيجية.
وتراجعت أسعار النفط إلى أدنى مستوياتها في عدة أشهر عقب التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل واستئناف تدفق الإمدادات عبر مضيق هرمز، لكن تقارير دولية تشير إلى أن هذا الانخفاض قد يكون مؤقتًا، مع توقعات بعودة الضغوط على الأسعار في الفترة المقبلة.
وذكر موقع Marketplace الأمريكي المتخصص في الشؤون الاقتصادية والمالية أن أسواق النفط لا تزال تواجه تداعيات واحدة من أكبر الاضطرابات في تاريخها، موضحًا أن استخدام الدول لاحتياطياتها الاستراتيجية ساهم في الحد من قفزات الأسعار خلال الأزمة، لكنه أدى في المقابل إلى تراجع تلك المخزونات إلى مستويات متدنية.
وأشار التقرير إلى أن احتياطي النفط الاستراتيجي الأمريكي هبط إلى أدنى مستوى له منذ نحو 40 عامًا، كما انخفضت المخزونات التجارية، ما يعني أن الدول ستحتاج إلى إعادة تكوين احتياطياتها بمجرد استقرار الأوضاع، وهو ما قد يضيف طلبًا جديدًا إلى السوق العالمية.
ونقل عن خبراء في قطاع الطاقة أن استعادة التوازن الكامل في سوق النفط لن تكون سريعة، إذ إن إعادة تشغيل بعض الحقول النفطية المتوقفة وإصلاح البنية التحتية المتضررة قد تستغرق عدة أشهر، ما يبقي السوق معتمدًا على السحب من المخزونات خلال الفترة المقبلة.
وأضاف أن الولايات المتحدة وعددًا من الدول قد تتجه إلى إعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية في توقيت متقارب، الأمر الذي قد يرفع الطلب العالمي على الخام ويحد من استمرار انخفاض الأسعار.
ورجح التقرير ألا تعود أسعار النفط إلى مستويات ما قبل الحرب في المدى القريب، مع توقعات بأن يستغرق استقرار السوق العالمية نحو عام على الأقل، في ظل استمرار عمليات إعادة بناء المخزونات وعودة التوازن بين العرض والطلب.
وكانت أسعار النفط قد سجلت ارتفاعات حادة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة، حيث قفز سعر خام برنت إلى نحو 126 دولارًا للبرميل.
كما بلغ خام غرب تكساس الوسيط أعلى مستوياته خلال عام 2026 في شهر أبريل الماضي متجاوزًا 119 دولارًا للبرميل مدفوعًا بتصاعد التوترات الجيوسياسية ومخاوف اضطراب إمدادات الطاقة.
وخلال تعاملات اليوم سجل خام برنت نحو 73 دولارًا للبرميل فيما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط 70.51 دولارًا للبرميل.
إعادة ملء الاحتياطيات قد تدعم الأسعار
قال الدكتور أحمد معطي الخبير الاقتصادي إن إعادة ملء الاحتياطيات النفطية قد تدعم أسعار النفط خلال الفترة المقبلة لكنه يستبعد أن تؤدي إلى قفزات كبيرة أو تدفع الأسعار لتجاوز مستوى 80 دولارًا للبرميل.
وأوضح أن الطلب على النفط لا يزال يواجه ضغوطًا نتيجة تباطؤ الاقتصاد العالمي واستمرار آثار التشديد النقدي والمخاوف الجيوسياسية وهو ما انعكس على تراجع معدلات النمو في عدد من الاقتصادات الكبرى وانخفاض القوة الشرائية.
وأضاف معطي أن الصين باعتبارها أحد أكبر مستهلكي النفط عالميًا لا تزال تواجه تحديات اقتصادية دفعتها لتبني خطوات للتيسير النقدي لتحفيز النشاط الاقتصادي وهو ما يشير إلى أن تعافي الطلب على النفط سيكون تدريجيًا وليس بالقوة التي يتوقعها البعض.
وأشار إلى أن إعادة ملء الاحتياطيات الاستراتيجية ستخلق طلبًا إضافيًا على الخام إلا أن هذا الطلب لن يكون كافيًا لإحداث ارتفاعات حادة خاصة مع توافر كميات كبيرة من النفط لدى الدول المنتجة بالإضافة لوجود شحنات تنتظر استئناف حركة العبور بصورة طبيعية.
وأضاف معطي أن وفرة المعروض وضعف نمو الطلب العالمي ستحد من أي ارتفاعات قوية في أسعار النفط متوقعا أن تتحرك الأسعار دون مستوى 80 دولارا للبرميل خلال الفترة المقبلة.
المضاربات تسيطر على السوق
وقال الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي إن أسعار النفط الحالية لا تعكس مستويات الطلب الحقيقي وإنما تتحرك بشكل أساسي بفعل المضاربات والتقلبات المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية موضحا أن الاتجاه الحقيقي للأسعار سيظهر مع بدء الدول في إعادة ملء احتياطياتها الاستراتيجية.
وأضاف أن الارتفاعات التي شهدتها أسعار النفط خلال الفترة الماضية جاءت نتيجة المضاربات وحالة عدم اليقين مشيرًا إلى أن إعادة فتح الممرات البحرية لن تعني بالضرورة عودة الأوضاع إلى طبيعتها بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن والتأمين.
وأوضح النحاس أن شركات النفط ستتحمل تكاليف إضافية لإعادة الإنتاج بعد السحب من الاحتياطيات الاستراتيجية بالإضافة لاستمرار ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وهو ما سيخلق طلبا فعلياً على الخام يختلف عن الطلب المضاربي الذي يحرك الأسواق حاليا.
وأشار إلى أنه لن يتم تخفيض رسوم شركات الشحن والتأمين سريعاً بمجرد إعلان التهدئة بسبب استمرار المخاطر الجيوسياسية وهو ما يبقي تكلفة نقل النفط مرتفعة خلال الفترة المقبلة.
وأضاف النحاس إن الأسواق تمر حاليًا بمرحلة “تسويات” أكثر من كونها مرحلة استقرار دائم متوقعاً أن تبدأ الموجة الحقيقية لارتفاع أسعار النفط مع بدء الدول بإعادة تكوين احتياطياتها الاستراتيجية.
ولفت إلى أنه من المرجح أيضًا أن تتجه الصين والولايات المتحدة لإعادة بناء مخزوناتهما النفطية بما يزيد الطلب العالمي على الخام مرجحاً استغراق عملية استقرار أسواق الطاقة عالميًّا ما بين 8 و12 شهرًَا بسبب احتياج المصافي وشبكات الإنتاج لوقت واستثمارات لاستعادة كامل طاقتها التشغيلية
.

