نظمت مكتبة الإسكندرية ندوة بعنوان “التطورات التشريعية في الجمهورية الجديدة”، وذلك ضمن البرنامج الثقافي لمعرض مكتبة الإسكندرية للكتاب، بحضور الدكتور أحمد زايد؛ مدير المكتبة، والمستشار راغب عشيبة؛ رئيس نادي قضاة الإسكندرية، والدكتور عثمان عبد القادر؛ عميد كلية الحقوق بجامعة سوهاج، والدكتورة آيات الحداد؛ أستاذ القانون المساعد وعضو مجلس النواب السابق، والمستشار محمد فايز؛ المستشار بمجلس الدولة، وقد قدم الندوة الدكتور خالد القاضي؛ رئيس محكمة الاستئناف والباحث في القانون الدولي.

التطورات التشريعية في الجمهورية الجديدة

أكد أحمد زايد أن الدستور يمثل الإطار الذي ينقل الأفراد من الدوائر الضيقة إلى المجال العام ويحول المجتمع من حالة الفوضى إلى النظام. وأوضح أن بناء المجتمعات الحديثة يرتبط بقدرة الإنسان على الانتماء إلى دائرة أوسع هي دائرة المواطنة، وهو ما يشكل الأساس الحقيقي للديمقراطية المنظمة.
وأشار زايد إلى أن التشريع لم يعد يقتصر على تنظيم العلاقات بين الأفراد بل أصبح أداة رئيسية لتحقيق التنمية المستدامة بما يتماشى مع التحولات التي تشهدها الدولة الحديثة ويعزز مسيرة التنمية في مختلف المجالات.
وأضاف أن علم الاجتماع ينظر إلى الدستور من زاوية تتجاوز النصوص القانونية، إذ يهتم بما وصفه بـ”الجوانب غير الدستورية في الدستور” انطلاقًا من أن المجتمعات لا تُدار بالنصوص المكتوبة وحدها وإنما تحكمها أيضًا منظومة واسعة من العلاقات الاجتماعية والقيم والأعراف والتفاعلات غير التعاقدية التي تسهم في استقرار المجتمع وتماسكه.
وشدد زايد على أهمية نشر الوعي بالدستور والقانون، مؤكدًا أن المعرفة القانونية أصبحت ضرورة لبناء مجتمع واعٍ بحقوقه وواجباته. ولافتًا إلى أن عددًا من الدول اتجهت إلى تبني برامج للتثقيف القانوني وتعريف المواطنين بالتشريعات باعتبارها أحد ركائز ترسيخ دولة القانون.

من جانبه، أكد الدكتور خالد القاضي أن التشريع ليس مجرد نصوص قانونية بل يعكس فلسفة الدولة ورؤيتها في إدارة المجتمع. مشيرًا إلى أن ثورة 30 يونيو مثلت محطة فارقة في ترسيخ مؤسسات الدولة وإرساء دعائم دولة القانون بعد محاولات الإقصاء أثناء فترة تولي جماعة الإخوان المسلمين السلطة.
وأوضح القاضي أن مجلسي النواب والشيوخ أسهما في تطوير المنظومة التشريعية وأن القوانين الصادرة خلال السنوات الأخيرة جاءت في إطار رؤية وطنية تستهدف تحقيق التنمية المستدامة وترسيخ قيم المواطنة. مؤكدًا أن التشريع أصبح أداة للتنمية الشاملة وبناء الإنسان وهو ما تجسد في عدد من المشروعات القومية وفي مقدمتها المبادرة الرئاسية “حياة كريمة”.
وأشار القاضي إلى أن دستور عام 2014 أُعد في ظروف استثنائية أعقبت فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين، معربًا عن تأييده لفكرة إعداد دستور جديد مستقبلًا من خلال حوار مجتمعي متأنٍ يتيح التوافق على وثيقة دستورية تعبر عن تطور الدولة وتلبي تطلعات المجتمع.

فيما أوضح المستشار راغب عشيبة أن اختيار موضوع “التطورات التشريعية في الجمهورية الجديدة” يأتي استجابة لقضية تفرض نفسها بقوة في ظل ما تشهده الدولة من تحديث مستمر للمنظومة القانونية. مشيرًا إلى أن التشريع يمثل أحد الركائز الأساسية لبناء الدولة الحديثة ويواكب المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بما يسهم في ترسيخ سيادة القانون ودعم مسيرة التنمية.

كما أكد الدكتور عثمان عبد القادر أن التشريع يمثل انعكاسًا للمجتمع وأن المهمة التشريعية ليست بالأمر البسيط إذ يرتبط تطويرها بتطوير السياسات العامة في مختلف قطاعات الدولة. مضيفًا أن دستور 2014 جاء بعد مرحلة شهدت تباينًا في التوجهات والأفكار الأيديولوجية وبعض نصوصه تحتاج إلى مراجعة.
وأوضح عبد القادر أن الدستور تضمن قدرًا كبيرًا من التفاصيل وهو ما فرض تحديات أمام المشرعين أثناء إعداد القوانين. مؤكدًا أهمية تحقيق التوازن بين المبادئ الدستورية ومرونة التشريع بما يتوافق مع المتغيرات.
ودعا د. عبد القادر إلى إجراء تحليل اقتصادي للتشريعات قبل إصدارها لقياس مدى قابليتها للتنفيذ وتأثيرها المتوقع. مشددًا على أهمية إعادة النظر في منظومة إعداد التشريعات وتحديد المسؤوليات بوضوح، بالإضافة إلى وضع أولويات تشريعية للمرحلة المقبلة بما يتوافق مع احتياجات الدولة والمجتمع.

من جانبها، شددت الدكتورة آيات الحداد على أن مصر تمتلك منظومة تشريعية تغطي مختلف جوانب الحياة. مشيرة إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إصدار المزيد من القوانين وإنما أيضًا في توفير آليات فعالة لتنفيذها وتطبيقها على أرض الواقع وتعزيز الوعي المجتمعي بها. لافتةً إلى أن كثيرًا من المواطنين يطالبون بتشريعات تتوافق مع ظروفهم الفردية دون النظر إلى المصلحة العامة.
بينما أوضح المستشار محمد فايز أنه رغم تطور الذكاء الاصطناعي فإنه لن يكون بديلًا عن المشرع لأن التشريع يظل عملًا إنسانيًا يرتبط بتقدير المصلحة العامة ومراعاة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية التي لا يمكن للتقنيات الحديثة حل محلها.