انس الوجود رضوان.

الجمعة 17/يوليو/2026 – 04:57 م 7/17/2026 4:57:03 PM .

تابعت على مدار الأيام الماضية برامج “التوك شو” التي استضافت أبطال المنتخب القومي عقب عودتهم من كأس العالم، وتأثرت كثيرًا بقصص الكفاح التي روتها بعض الأسر، خاصة الأمهات اللاتي تحملن مشقة التربية ودعمن أبناءهن حتى وصلوا إلى قمة النجاح. لكن ما يؤلمني هو أن الحياة الشخصية للاعبين أصبحت مباحة للجميع، وكأنها ملك للرأي العام، حيث يخوض الجميع في تفاصيل علاقاتهم الأسرية بشكل فج. وقد ظهرت بعض الأمهات على الشاشات يشكين من أن أبناءهن لم يزوروا أهاليهم بعد العودة من أمريكا، وأن الزوجة أصبحت تحتل الأولوية في حياتهم، بينما تحدثت أخريات عن معاناتهن في تربيتهم.

ليس عيبًا أن تُروى قصص الكفاح، فهي مصدر إلهام وفخر، لكن العيب يكمن في تحول الحياة الخاصة للاعبين وأسرهم إلى مادة يومية للسوشيال ميديا والبرامج التلفزيونية، مما يفتح الباب للتأويل والانتقاد والتدخل في أمور لا تخص أحدًا. ومن هنا أرى أن وجود طبيب نفسي ومتخصص في الإعلام والإتيكيت ضمن الأجهزة الفنية للمنتخبات والأندية أصبح ضرورة وليس رفاهية. فهؤلاء اللاعبون يحتاجون إلى التدريب على كيفية التعامل مع وسائل الإعلام واختيار ما يمكن التصريح به وما يجب أن يبقى داخل دائرة الخصوصية.

وأثار الطب النفسي الرياضي تتعدى حدود المستطيل الأخضر لتصل إلى المجتمع بأسره؛ فالمهارات التي يتعلمها اللاعب لمواجهة الضغوط هي نفسها التي يحتاجها الإنسان في العمل والحياة اليومية. لذا، تتحول كرة القدم من مجرد لعبة تحصد البطولات إلى مختبر عملي لبناء شخصية الإنسان.

كما أرى أهمية الحد من الظهور الإعلامي المتكرر للاعبين للحفاظ على هيبتهم وقيمتهم لدى الجماهير، مع توعيتهم بعدم إشراك أسرهم في الأضواء إلا في أضيق الحدود والابتعاد عن الحديث في تفاصيل حياتهم العائلية. فما فعلته زوجة زيكو بتوجيه رسالة قاسية لوالدته عبر تيك توك “موتوا بغيظكم” يؤكد ما أقوله.

وعلى اللاعب أن يهدئ الأمور ويتعامل مع الأزمة بحكمة حتى لا تؤثر على مستقبله الكروي أو علاقته بجماهيره؛ فالحفاظ على الاستقرار داخل وخارج الملعب يظل عاملاً مهمًا لاستمرار نجاحه. ولعل خير مثال على ذلك النجم العالمي محمد صلاح الذي أصبح قدوة داخل الملعب وخارجه. فهو يدرك قيمة اسمه ويعرف متى يتحدث ومع من يتحدث ومتى يبتعد عن الأضواء. لذلك ظل حضوره الإعلامي محسوبًا بينما بقيت إنجازاته هي التي تتحدث عنه.

فالإعلام يصنع الشهرة ويمنح صاحبه مساحة من الانتشار، لكنه إذا أُسيء التعامل معه يتحول إلى عبء يقضي على الإنجازات ويستهلك صاحبه في تفاصيل لا تضيف إلى نجاحه شيئًا. بل يتحول إلى مادة للتداول والتعليقات ويفتح الباب أمام من يسيء إليه أو يهاجمه أو يشكك في أخلاقه وعلاقاته الأسرية. إن الخلافات العائلية مهما كانت مكانها البيت لا المنصات الإعلامية؛ فالحفاظ على خصوصية الأسرة هو حماية للاعب نفسه ولأسرته ولصورة النجاح التي تعب الجميع في صنعها.