غيب الموت في العاصمة الأيرلندية دبلن اليوم الجمعة، الممثلة القديرة بريندا فريكر عن عمر يناهز 81 عامًا، لتطوى بذلك صفحة مضيئة في تاريخ السينما الأيرلندية والعالمية.
بريندا فريكر: أول ممثلة أيرلندية تحصل على الأوسكار
تُعتبر الراحلة بريندا فريكر أول ممثلة أيرلندية تنال جائزة الأوسكار، وقد حفرت مكانًا خاصًا في قلوب الملايين حول العالم بتجسيدها لشخصية “سيدة الحمام” الشهيرة في الفيلم الكلاسيكي “Home Alone 2: Lost in New York” عام 1992.
وقد أكد فيل بيلفيلد، وكيل أعمال الفنانة الراحلة، نبأ وفاتها لهيئة الإذاعة البريطانية “BBC”، ناعيًا إياها في بيان مؤثر جاء فيه: “لن نرى مثيلًا لها مرة أخرى، والعالم أصبح أقل بريقًا بغيابها. لقد نلت شرف معرفتها ومحبتها والعمل معها، وستبقى دائمًا في قلبي وفي قلوب الملايين من عشاق السينما والتلفزيون حول العالم”.
مسيرة حافلة بالجوائز والتقدير الاستثنائي
عرفت فريكر بكونها ممثلة بارعة على المسرح والشاشة، وحصدت العديد من الأوسمة والجوائز طوال مسيرتها الفنية الممتدة. ومن أبرز هذه التكريمات حصولها على النسخة الافتتاحية من جائزة “مورين أوهارا” في مهرجان كيري السينمائي عام 2008، وهي الجائزة المخصصة للاحتفاء بالنساء اللواتي تميزن في مجال السينما.
وفي عام 2020، وضعتها صحيفة “إيريش تايمز” في المرتبة 26 ضمن قائمتها لأعظم ممثلي السينما الأيرلندية على مر العصور. ورغم بصمتها العميقة في الأفلام الدرامية، إلا أن الجمهور يتذكرها دائمًا بأدائها الدافئ لشخصية سيدة الحمام في حديقة سنترال بارك بنيويورك، والتي ساعدت الطفل كيفين مكاليستر (ماكولي كولكين) في الجزء الثاني من فيلم الكريسماس.
بريندا فريكر: من طموح الصحافة إلى أضواء الفن
ولدت بريندا فريكر في دبلن بتاريخ 17 فبراير 1945، لوالدة تعمل معلمة لغات تدعى بينا ميرفي، ووالد صحفي في “إيريش تايمز” يدعى ديزموند فريدريك فريكر. وقبل أن تتوجه إلى عالم التمثيل، كانت تطمح للمشي على خطى والدها في مهنة الصحافة، حيث عملت بالفعل كمساعدة لمحرر الفنون في صحيفة “إيريش تايمز”.
أما إطلالتها الأولى على الشاشة فكانت في سن التاسعة عشرة، وذلك من خلال دور صغير غير مدرج في تترات الفيلم الدرامي “Of Human Bondage” عام 1964. كما سجلت ظهورًا ثانويًا العام نفسه في المسلسل الأيرلندي الشهير “Tolka Row”.
وخلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، تنقلت فريكر بين العديد من الأفلام والمسلسلات البريطانية، حيث شاركت بأدوار صغيرة ومتنوعة. ففي عام 1977، ظهرت في أربع حلقات من مسلسل الدراما الشهير “Coronation Street” الذي عرض على قناة (ITV)، حيث لعبت دور ممرضة تولد طفل الشخصية الشريرة الرئيسية تريسي بارلو. وتبع ذلك مشاركات أخرى مثل “The Quatermass Conclusion” عام 1978 و”The Music Machine” عام 1979 و”Bloody Kids” عام 1980 و”Cockles” عام 1984.
وجاءت نقطة التحول الحقيقية عندما انضمت إلى طاقم العمل الأصلي للمسلسل الطبي الطويل “Casualty” الذي تنتجه (BBC)، والذي تدور أحداثه داخل قسم الطوارئ بمستشفى مدينة هولبي الخيالية. بدأ المسلسل عام 1986 ولا يزال مستمرًا حتى اليوم. جسدت فيه فريكر شخصية الممرضة ميجان روتش منذ الحلقة الأولى لتصبح واحدة من أكثر الشخصيات محورية خلال المواسم الخمسة الأولى قبل أن تغادر العمل بعد 65 حلقة. ولم تنقطع صلتها بالمسلسل كليًا إذ عادت كضيفة شرف خلال عامي 1998 و2007 ثم عادت مجددًا عام 2010 لتقدم قصة مأساوية من أربع حلقات انتهت بانتحار شخصيتها ميغان.
المجد الهوليودي وقصة الأوسكار التاريخية
بلغت فريكر ذروة نجاحها الفني عبر الفيلم السير الذاتية الدرامي “My Left Foot” عام 1989 حيث جسدت دور بريدجيت فاغان براون الأم الحنون والمكافحة التي أنجبت نحو 22 طفلاً (توفي منهم تسعة خلال مرحلة الرضاعة)، ومن بينهم كريستي براون الكاتب والرسام الأيرلندي الذي ولد مصابًا بشلل دماغي.
الفيلم الذي أخرجه جيم شيريدان واستند إلى مذكرات براون الصادرة عام 1954 شارك في بطولته دانيال دي لويس إلى جانب راي مكانالي وهيو أوكونور وفيونا شو وسيريل كوزاك. وبفضل أدائها الاستثنائي لشخصية الأم توجت فريكر بجائزة الأوسكار لأفضل ممثلة مساعدة عام 1990. وفي كلمتها الشهيرة أثناء تسلم الجائزة أهدت التكريم للمرأة الحقيقية التي جسدت دورها قائلة: “أي امرأة تنجب 22 مرة تستحق واحدة من هذه الجوائز.”.
سينما التسعينيات.. تنوع بين الإثارة والكوميديا
فتحت جائزة الأوسكار أبواب هوليود أمام فريكر لتشارك كأبرز ممثلات الأدوار المساعدة في أفلام رفيعة المستوى. ففي عام 1990 تعاونت مجددًا مع المخرج جيم شيريدان في فيلم “The Field” حيث لعبت دور زوجة المزارع البريطاني بول مكابي. وتلا ذلك دورها الأيقوني في “Home Alone 2” عام 1992.
ولم تتوقف نجاحاتها بل تنوعت أدوارها لتشمل الفيلم الكوميدي “So I Married an Axe Murderer” عام 1993 حيث لعبت دور ماي الأم الاسكتلندية مفرطة الغرابة للشخصية التي قدمها مايك مايرز. وفي عام 1994 شاركت بفيلم “Angels in the Outfield” كأم بديلة للشخصية التي قدمها جوزيف غوردون ليفيت وفي عام 1996 ظهرت بفيلم الإثارة القانوني “A Time to Kill” بدور إيثيل السكرتيرة المخلصة للممثل ماثيو ماكونهي.
ومع بداية الألفية الجديدة ركزت فريكر أعمالها بشكل أساسي على السينما الأيرلندية والبريطانية ونالت ثلاثة ترشيحات لجوائز الأكاديمية الأيرلندية للأفلام والتلفزيون (IFTA) عن أدوارها المميزة في فيلم “Veronica Guerin” عام 2003 أمام كيت بلانشيت وفيلم “Inside I’m Dancing” عام 2004 مع جيمس مكافوي وفيلم “Albert Nobbs” عام 2011 إلى جانب غلين كلوز وجانيت مكتير. كما تشمل أعمالها البارزة الأخرى فيلمي “Closing the Ring” عام 2007 و”Cloudburst” عام 2011.
بعد إعلان اعتزالها العمل الفني إلى حد كبير لعام 2015 سجلت فريكر عودة مؤقتة للشاشة عبر حلقة من المسلسل الكندي “Cam Boy” وعام 2021 وظهرت أيضًا بمسلسل “Holding” لجراهام نورتون على قناة (ITV) خلال العام التالي. وفي العام الحالي شاركت بمسلسل درامي بعنوان “The Catch” على القناة الخامسة البريطانية وقدمت أداء صوتيًا بفيلم “The Miracle Club.”.
إلى جانب مسيرتها السينمائية والتلفزيونية الحافلة تميزت فريكر بمسيرة مسرحية طويلة وناجحة حيث وقفت على خشبات مسارح عريقة ومثلت ضمن إنتاجات المسرح الملكي الوطني ومسرح الرويال كورت ومسرح جيفين.

