74 عامًا مضت على ثورة يوليو، منها 59 عامًا على نكسة يونيو، و56 عامًا على رحيل جمال عبد الناصر، و53 عامًا بلا حروب، تعاقب خلالها على الحكم أربعة رؤساء بعد ناصر. أظن أنها كانت مدة كافية جدًا لإصلاح أخطاء يوليو وتجاوز آثار هزيمة 67، بل والتحول إلى قوة كبرى بعد حرب أكتوبر.
لكننا لم نفعل.. أهدرنا الزمن في الشكوى وعشنا في جثة الماضي بدلًا من صناعة الحاضر والعمل على بناء المستقبل. نجيد الصراخ أكثر مما نجيد البناء! نستهلك أعمارنا في اجترار الهزيمة ومهاجمة رجل ميت منذ ما يزيد عن نصف قرن! نعيش على تعليق تقصيرنا المزمن على شماعة ناصر، بين شعب يوارى عجزه وكسله، وحكومات تدارى فشلها.
لم نفهم درس ألمانيا، كيف تجاوزت هزيمتها لتتحول إلى قوة عظمى خلال 15 عامًا فقط — ألمانيا الغربية ثم ألمانيا الموحدة بعدها — لأنها لم تتفرغ للعن “هتلر” في المقاهي وتعليق خيباتها وعجزها على “الهتلرية” ولكن تفرغت للعمل وإصلاح الأخطاء!
لم نع درس اليابان: التي تجاوزت تدميرها بالقنابل الذرية، فنهض شعبها وطوى صفحة “هيديكي توجو”، وحوّل الدمار والهزيمة تدريجيًا خلال 25 عامًا فقط إلى معجزة خرجت على كل المقاييس، وقوة اقتصادية تثير دهشة العالم وتحجم أطماعه.
بل حتى كيان العدو.. عبر هزيمته العسكرية المزرية في أكتوبر اقتصاديًا واجتماعيًا خلال 10 سنوات فقط، تجاوز فيها المجتمع الصدمة النفسية للحرب واعتبرها تجربة عسكرية ملزمة للتحليل، وطوى صفحتها وخطايا قادتها وتفرغ للبناء واستعادة قوته، فأصبح كما نراه اليوم علميًا وتكنولوجيًا.
الحقيقة القاسية — في تقديري — أنها أزمة نفسية لشعب جعل الهجوم على عبد الناصر ليس لعنًا للماضي، بل هروبًا من مواجهة الحاضر. شعب يهاجم رمزية ناصر لأنه يخشى مهاجمة الواقع نفسه ولا يجرؤ على نقد الحاضر أو مساءلة من يحكمونه الآن، أيًا كان عصر تلك “الآن”. فاختار الأسهل.. جلد التاريخ بدلًا من مواجهة الراهن، بحجة أن ناصر هو من أسس لدولة يوليو الممتدة رغم أن شرعيتها تبدلت إلى شرعية مايو 1971 ثم إلى شرعية أكتوبر 1973 التي تبدلت بدورها إلى شرعية يوليو 2014. ورغم ذلك ما زال بعض الشعب يلعن ناصر خشية أن يلعن من جاءوا بعده!
إنها مأساة أمة غيّرت محل إقامتها، فاختارت أن تسكن زقاق الماضي المتفرع من حارة الهزيمة لأنها لا تملك حيثيات السكن في شارع المستقبل المتفرع من ميدان النصر. مأساة أبقت عبد الناصر يقاتل في ذاكرتنا شئنا أم أبينا ليس لأنه أصاب أو أخطأ وإنما لأن موته جعله مرآة تفضح عجزنا عن محاولة صناعة مستقبل أفضل.
قبل أن يعترض معترض، فحديثي ليس دفاعًا عن ناصر ولا عن يوليو إنما هو دعوة للخروج من سجون فكر الهزيمة. الأمم التي تبدد وقتها في مطاردة الماضي لن تجد وقتًا للحاق بالمستقبل ونحن نطارد الماضي طيلة 74 عامًا والنتيجة.. قبض الريح.. فلا أصلحنا ولا غيرنا ولا صنعنا ولا أقمنا دولة ديمقراطية.. ولا انتهينا من دفن ناصر!
ولمن يهتم، نلتقي في الحلقة القادمة الأخيرة نحاول معًا وضع الأسس السياسية ذات الحجة لكيف تهاجم ناصر أو كيف تدافع عنه لمن شاء هذه أو تلك. ذلك إن أراد الله وكان في العمر بقية. رحم الله الجميع وغفر لهم.

