لم تكن دموع سيباستيان بيكاسيسي، المدير الفني لمنتخب الإكوادور، عقب الفوز التاريخي على ألمانيا بنتيجة 2-1 في الجولة الأخيرة من دور المجموعات بكأس العالم 2026، مجرد احتفال بالتأهل إلى دور الـ32، بل كانت نهاية لأسبوع كامل عاش فيه المدرب واحدة من أصعب الفترات في مسيرته التدريبية.
دخل منتخب الإكوادور البطولة وسط آمال كبيرة، بعدما قدم مشوارًا مميزًا في تصفيات أمريكا الجنوبية وأنهاها وصيفًا للأرجنتين، كما استقبل خمسة أهداف فقط في 18 مباراة، ليصل إلى كأس العالم باعتباره أحد أقوى المنتخبات دفاعيًا في القارة.
لكن البداية جاءت بعكس كل التوقعات، بعدما خسر المنتخب أمام كوت ديفوار، ثم سقط في فخ التعادل السلبي أمام كوراساو، رغم سيطرته المطلقة على المباراة، ليسجل رقمًا سلبيًا غير مسبوق، بعدما أصبح أول منتخب في تاريخ كأس العالم يسدد 15 كرة على المرمى في مباراة واحدة دون أن ينجح في التسجيل.
تلك النتائج أشعلت غضب الجماهير، ولم يسلم المدرب من الانتقادات، وعقب مباراة كوراساو، تعرض بيكاسيسي لهجوم لفظي عنيف أثناء مغادرته أرض الملعب، بينما كانت زوجته وبناته يجلسن في المدرجات القريبة من مقاعد البدلاء.
ولم تتمالك العائلة نفسها أمام الإهانات، لتدخل في مشادة مع بعض الجماهير دفاعًا عن المدرب، مرددين: “أنتم لا تفهمون كرة القدم… اذهبوا وافحصوا أعينكم”.
وفي اليوم التالي، تحدث بيكاسيسي عن الواقعة بهدوء، مؤكدًا أن أول ما فعله بعد المباراة كان الاطمئنان على زوجته وبناته، وقال: “سألتهم أولًا هل حدث شيء خطير؟ الحمد لله لم يحدث، أتفهم غضب الجماهير، وفي النهاية كانت ابنتي تدافع عن والدها”.
ورغم الضغوط، لم يختبئ المدرب خلف الأعذار، بل اعترف بمسؤوليته كاملة خلال المؤتمر الصحفي الذي سبق مواجهة ألمانيا، وقال: “نجحت في الوصول إلى قلوب اللاعبين، لكنني لم أصل بعد إلى قلوب الجماهير، وأنا المسؤول الأول عن ذلك”.
وأضاف بثقة لافتة: “ما زلت مقتنعًا بأن لدينا فرصة لتحقيق هدفنا، إذا فزنا سنتذوق طعم السعادة، وإذا خسرنا سنتذوق طعم الحزن… هذه هي الحياة”.
وقبل ساعات من المباراة الحاسمة، وجه رسالة أخيرة قال فيها: “الحياة علمتني ألا أتوقف عن العمل، ولدينا 100 دقيقة لتحقيق هدفنا”.
وكانت كل التوقعات داخل الإكوادور تشير إلى أن مواجهة ألمانيا قد تكون الأخيرة لبيكاسيسي على رأس الجهاز الفني إذا تعرض الفريق للخسارة، لكنه اختار الرد بالطريقة التي يجيدها، داخل المستطيل الأخضر.
غيّر المدرب أسلوبه التكتيكي ودفع بثنائي هجومي جديد، ورغم استقبال هدف مبكر بعد دقيقتين فقط، نجح منتخب الإكوادور في قلب النتيجة إلى فوز تاريخي بنتيجة 2-1، ليحجز بطاقة التأهل إلى دور الـ32 ويقصي ألمانيا من صدارة المجموعة.
ومع إطلاق صافرة النهاية، لم يتجه بيكاسيسي نحو لاعبيه للاحتفال، بل ركض مباشرة إلى المدرجات، حيث احتضن زوجته وبناته وانهمرت دموعه في مشهد خطف أنظار العالم.
كانت تلك الدموع تعبيرًا عن أسبوع كامل من الضغوط والإهانات والشكوك، انتهى باستعادة ثقة الجماهير والاحتفال مع العائلة نفسها التي تعرضت للهجوم قبل أيام قليلة.
وتحمل مسيرة بيكاسيسي قصة استثنائية أيضًا؛ فهو لم يكن لاعبًا محترفًا في يوم من الأيام، بل بدأ مشواره التدريبي وهو في التاسعة عشرة من عمره، قبل أن يعمل مساعدًا للمدرب الأرجنتيني خورخي سامباولي لمدة 13 عامًا، ثم يشق طريقه كأحد أبرز المدربين في أمريكا الجنوبية.
حتى اسمه يحمل حكاية مختلفة، إذ يعود لقب “بيكاسيسي” إلى أصل إيطالي قديم، وكان يستخدم كلقب شعبي ساخر يعني “ناقِر الحمص”، قبل أن يتحول صاحبه إلى أحد أكثر الأسماء حضورًا على الخطوط الفنية، ويكتب واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا في كأس العالم 2026.

