بعد انتهاء كأس العالم، تركزت الأحاديث حول المنتخب المصري وأدائه، حيث أثبت اللاعبون أن لدينا مواهب قادرة على المنافسة في أكبر المحافل.
تم الحديث آنذاك عن إمكانية أن يكون المونديال بوابة لاحتراف عدد من اللاعبين، مع توقعات بعروض أوروبية لأسماء مثل إمام عاشور، مصطفى شوبير، زيكو ومروان وغيرهم. ومع ذلك، مع انتهاء البطولة وبدء الأندية في التحضير للموسم الجديد، تبين أن معظم تلك التوقعات لم تتجاوز كونها أحاديث.
فماذا حدث؟
المشكلة ليست في عدم احتراف لاعب معين أو عدم وصول عروض للاعبين. القضية أعمق من ذلك.
لقد شهدنا تكرار نفس السيناريو على مر السنوات: يتألق لاعب مع المنتخب، وتبدأ الأحاديث حول احترافه، ثم نسمع عن عروض متعددة، وتبدأ المفاوضات، وفي النهاية نعود لنفس النقطة وكأن شيئًا لم يحدث.
نموذج حمزة عبد الكريم الذي احترف في برشلونة وسجل في الأهلي فريقه السابق يوضح كيف يمكن أن يؤثر الاحتراف الحقيقي على تطور اللاعب. برشلونة ليس مجرد نادي بل هو منظومة لديها رؤية واضحة منذ سنوات، وهذا ما نحتاجه لرؤية المزيد من اللاعبين المصريين يسيرون على هذا الطريق.
يجب أن نسأل بصراحة: هل الدوري المصري قادر فعلاً على تجهيز لاعب للاحتراف الخارجي؟ الموهبة موجودة كما ظهر بوضوح في كأس العالم. اللاعب المصري يمتلك الإمكانيات والشخصية والقدرة على اللعب تحت ضغط، لكن الاحتراف لا يقتصر فقط على الموهبة التي تظهر في بطولة كبيرة.
يتطلب الاحتراف تجهيز اللاعب منذ الصغر، وأندية لديها مشاريع واضحة، ودوري منتظم وقوي. وهذا هو الجزء الذي نفتقر إليه.
هل لدينا منظومة تصنع لاعبين محترفين؟
هذه هي القضية الحقيقية.
لجعل كل بطولة كبيرة سوقًا للاعبينا، يجب أن يكون لدينا منتج كروي يجذب الأندية الكبيرة.
من غير المنطقي أن يتألق لاعب في كأس العالم ثم يعود لنفس الأجواء ونفس مستوى المنافسة، ونتوقع منه الانتقال لمستوى أعلى.
الاحتراف لا يحدث بالصدفة أو بسبب هدف سجل أو مباراة رائعة قدمها اللاعب.
تبحث الأندية الأوروبية عن لاعبين جاهزين فنياً وبدنياً وتكتيكياً وقادرين على الاستمرار في الأداء الجيد وليس مجرد لاعبين تألقوا لفترة قصيرة.
لذلك قد يكون المونديال قد حقق شيئًا أهم من مجرد بيع اللاعبين؛ فقد كشف لنا الحقيقة.
لقد أبرزت المشكلة التي تكمن في غياب القدرة على تحويل الموهبة إلى لاعب محترف. لماذا لا نشهد كل موسم انتقال 5 أو 6 لاعبين إلى دوريات قوية؟
ولماذا لا يكون الدوري المصري منصة لتصدير اللاعبين بدلاً من أن يكون كل موسم مختلفًا عن الآخر؟ مرة مجموعتان ومرة مجموعة واحدة وأخرى لإلغاء الهبوط ثم العودة لنظام آخر.. هذا التخبط المستمر يجعل المسابقة نفسها غير مستقرة.
بدلاً من انتظار بطولة دولية لتسليط الضوء على اللاعبين، يجب أن يكون الدوري المصري بيئة تساعد اللاعب على التطور وتجهيزه للخطوة التالية.
إذا كنا نرغب في تغيير المشهد، يجب أن نبدأ من الدوري نفسه: دوري أقوى ومنافسة أكثر جدية وأجهزة فنية تعمل على تطوير اللاعبين وأندية تضع الاحتراف ضمن أولوياتها.
قدمت لنا كأس العالم الأمل لكنها أيضًا عكست واقعنا أمام المرآة.
انتهى المونديال وعاد معظم لاعبينا إلى نفس الدوري. وبالتالي.. ببساطة.. رغم ظهورنا بشكل مختلف في كأس العالم، عدنا بعد البطولة لنفس المكان. والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا الآن ليس: من سيحترف؟
ولكن:.
متى يصبح الاحتراف نتيجة طبيعية لتطور الكرة المصرية وليس مجرد أمنية بعد كل بطولة كبيرة؟

