استضافت مكتبة الإسكندرية ندوة علمية رفيعة المستوى بعنوان «شفرة المستقبل: الذكاء الاصطناعي والجينوم في مواجهة التطرف والتضليل الرقمي»، بحضور نخبة من القيادات التنفيذية والعلمية والعسكرية. تأتي هذه الفعالية في إطار دور المكتبة في نشر الثقافة العلمية وتعزيز الحوار حول أحدث التطورات التكنولوجية والبحثية وتأثيرها في بناء مستقبل أكثر وعيًا وأمانًا.
شارك في الندوة الدكتور أحمد عبد الله زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، والدكتورة أميرة ياسين، نائب محافظ الإسكندرية، نائبةً عن المهندس أيمن عطية محافظ الإسكندرية، إلى جانب اللواء طبيب أسامة محمدي، نائب مدير مركز البحوث الطبية والطب التجديدي بوزارة الدفاع، واللواء طبيب طارق طه، رئيس فرع الخلايا الجذعية بالمركز، والدكتورة نيفين مكرم لبيب، مقررة لجنة الثقافة العلمية والتفكير الابتكاري والذكاء الاصطناعي بالمجلس الأعلى للثقافة، والدكتورة مروة الوكيل، رئيس قطاع البحث الأكاديمي بمكتبة الإسكندرية.
افتتح الدكتور أحمد عبد الله زايد الندوة بالتأكيد على أن العالم يشهد تحولًا غير مسبوق بفعل التطورات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أن مشروع الجينوم المصري يمثل أحد المشروعات القومية الاستراتيجية التي تعكس توجه الدولة نحو توظيف البحث العلمي والتقنيات الحديثة لخدمة الإنسان وتحسين جودة الحياة. كما أكد على حرص مكتبة الإسكندرية على فتح مساحات للنقاش العلمي الرصين حول القضايا المستقبلية التي تمس المجتمع.
من جهتها، أعربت الدكتورة أميرة ياسين عن تقديرها لمكتبة الإسكندرية على تنظيم هذه الندوة العلمية. وأكدت أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إصدار الأوامر للحصول على إجابات فحسب، بل يعتمد أيضًا على فهم آليات عمله وكيفية توظيفه بصورة احترافية في حل المشكلات وصنع القرار. كما أوضحت أن أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT ليست معصومة من الخطأ وأن جودة النتائج ترتبط بدرجة كبيرة بدقة صياغة الأسئلة ووضوحها، وهو ما يستدعي نشر الوعي بأساليب الاستخدام الصحيح لهذه التقنيات.
وتناولت نائب المحافظ أهمية مشروع الجينوم المصري بوصفه مبادرة قومية تهدف إلى بناء خريطة جينية مرجعية للمصريين. حيث نجح المشروع في الكشف عن نحو 51.3 مليون متغير جيني، من بينها أكثر من 17 مليون متغير فريد خاص بالمصريين. وأكدت أن المشروع يمثل نقلة نوعية في تطبيقات الطب الشخصي بما يسهم في التشخيص المبكر للأمراض وتقديم علاجات أكثر دقة تتوافق مع الخصائص الوراثية لكل فرد. كما يساعد المشروع أيضًا في تحسين القدرة على التنبؤ بالأمراض ودراسة التاريخ الوراثي للمصريين من خلال تحليل جينات المومياوات المصرية القديمة.
وخلال كلمته، استعرض اللواء طبيب أسامة محمدي الدور الذي يقوم به مركز البحوث الطبية والطب التجديدي (ECRRM)، موضحًا أنه تأسس عام 2017 بقرار جمهوري ليكون مركزًا مرجعيًا رائدًا في مجال البحوث الطبية والطب التجديدي في مصر والشرق الأوسط. وأكد أن المركز يعتمد على أحدث التقنيات والأجهزة العلمية ويعمل وفق منهجية تقوم على البحث العلمي المبني على الأدلة. كما يسعى المركز لبناء شراكات مع الجامعات والمراكز البحثية داخل مصر وخارجها لدعم المنظومة الصحية وخدمة المجتمع.
كما استعرض الخدمات والتقنيات التي يقدمها المركز في مجال الدراسات الجينية والتي تشمل تسلسل الجينوم الكامل للكشف عن جميع المتغيرات الوراثية والاستعداد للإصابة بالأمراض. بالإضافة إلى تسلسل الجينوم الجزئي لتشخيص أمراض محددة بكفاءة وتكلفة مناسبة وتحليل الطفرات الجينية المرتبطة بالأمراض الوراثية والسرطانية وتحليل الكروموسومات والفحوصات ما قبل الولادة والفحوصات الجينية قبل الزواج وفحوصات حديثي الولادة وتحليل الحمض النووي للأمراض الوراثية النادرة بما يدعم توجه الدولة نحو الطب الدقيق والرعاية الصحية المتقدمة.
وفي السياق ذاته، تحدث اللواء طبيب طارق طه عن نتائج الدراسات الجينية التي أظهرت أن نسبة التجانس الجيني بين المصريين تبلغ نحو 97%. وأكد أن الدراسات الجينية والأنثروبولوجية تثبت أن المصريين المعاصرين يمثلون امتدادًا للمصريين القدماء. كما استعرض الإمكانات البحثية التي تضمها وحدة الأبحاث ما قبل الإكلينيكية بالمركز وما تحتويه من معامل متطورة وأجهزة حديثة توفر بيئة علمية متكاملة لإجراء الدراسات قبل السريرية وفق أعلى المعايير البحثية.
وأكدت الندوة أن التكامل بين الذكاء الاصطناعي وأبحاث الجينوم يفتح آفاقًا واسعة أمام تطوير الرعاية الصحية وتعزيز البحث العلمي ومواجهة تحديات المستقبل. كما تم التأكيد على أهمية رفع الوعي المجتمعي بالاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي بما يسهم في الحد من مخاطر التضليل الرقمي والتطرف الفكري وتعزيز بناء مجتمع قائم على المعرفة والعلم.

