واصلت دار الإفتاء المصرية الرد على استفسارات السائلين، حيث ورد إليها سؤال يتساءل: “هل يجوز لامرأة أن تُعلِّم الرجال علمَ القراءات القرآنية من تلاوة ورسم مصحف ومتون وغير ذلك، لعدم وجود مختصين من الرجال في هذا العلم في ذلك المكان؟”.
التعليم بين الجنسين
أوضحت دار الإفتاء أنه لا مانع شرعًا من أن يتعلم الرجال من النساء أو العكس. فوجود النساء مع الرجال في مكان واحد ليس حرامًا في ذاته، بل إن الحُرمة تكمن في الهيئة الاجتماعية إذا كانت مخالفةً للشرع الشريف، مثل إظهار النساء ما لا يحل لهن إظهاره شرعًا، أو الاجتماع على منكر، أو وقوع خلوة محرَّمة.
ضابط الاختلاط المحرم
وأضافت الإفتاء أن الاختلاط المحرّم هو التلاصق والتلامس، وليس مجرد الاجتماع بين الرجال والنساء. وقد دلَّت السنة النبوية على ذلك؛ ففي “الصحيحين” عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: “لَمَّا عَرَّسَ أَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ دَعَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَأَصْحَابَهُ، فَمَا صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا وَلا قَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا امْرَأَتُهُ أُمُّ أُسَيْدٍ”. وترجم له البخاري بقوله: (باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس). قال القرطبي في “التفسير”: [قال علماؤنا: فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها] اهـ.
حكم تعليم المرأة علم القراءات القرآنية للرجال
كما ذكر ابن بطال في “شرحه” على البخاري أن الحجاب -أي انفصال النساء عن الرجال- ليس فرضًا على نساء المؤمنين، وإنما هو خاص بأزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وقد ورد في كتاب الله قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
وأشار الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” إلى جواز خدمة المرأة زوجها ومن يدعوه، مع مراعاة ما يجب عليها من الستر وأمن الفتنة. وفي “الصحيحين” أيضًا عن أبي هريرة رضي الله عنه قصة أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه حينما استضاف ضيفًا وظهر أنهما يجتمعان على طبق واحد.
تلقي الرجال العلم الشرعي من النساء
وأشارت الإفتاء إلى أنه بالنسبة لتلقي الرجال العلم الشرعي والموعظة من المرأة العالمة، فقد كانت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبلِّغن العلم وينشرن الدين. وقد ترجم الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه “الإصابة في تمييز الصحابة” لثلاثٍ وأربعين وخمسمائة وألف (1543) امرأة منهن الفقيهات والمحدِّثات والأديبات.
وكانت المرأة المسلمة تشارك الرجال في الحياة الاجتماعية العامة مع الالتزام بلبسها الشرعي والمحافظة على حدود الإسلام وآدابه. ومن الأمثلة على ذلك ما رواه الطبراني عن سمراء بنت نهيك التي كانت تؤدب الناس وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ختام الحكم الشرعي
وأوضحت الإفتاء أنه بناءً على ذلك، فلا يمكن لأحد إنكار هذا الواقع الثابت في السنة النبوية الشريفة والتاريخ الإسلامي. ولا يصح جعل التقاليد والعادات الموروثة حاكمةً على الدين والشرع؛ فالشرع يعلو ولا يُعلَى عليه، ولا يجوز لمن يسلك طريقة معينة أن يُلزِم الناس بها أو يشدد فيما جعل الله لهم فيه يُسرًا وسعة.

