نظمت مكتبة الإسكندرية ندوة بعنوان “لقاء مع فضيلة المفتي” بحضور الدكتور نظير عياد؛ مفتي الجمهورية، والدكتور أحمد زايد؛ مدير مكتبة الإسكندرية، والمهندس أيمن عطية؛ محافظ الإسكندرية، وحاورهم الدكتور المستشار محمد الدمرداش العقالي؛ نائب رئيس مجلس الدولة. وقدمت اللقاء الدكتورة الشيماء الدمرداش؛ مدير مشروع إحياء التراث بمكتبة الإسكندرية، وذلك ضمن البرنامج الثقافي لمعرض مكتبة الإسكندرية للكتاب.
المفتي في مكتبة الإسكندرية
أكد الدكتور أحمد زايد أن التعاون بين مكتبة الإسكندرية ودار الإفتاء المصرية ومحافظة الإسكندرية يمثل نموذجًا لتكامل مؤسسات الدولة في نشر الوعي، معلنًا توقيع مذكرة تعاون مع دار الإفتاء لتعزيز العمل المشترك في المجالات الثقافية والفكرية وخدمة المجتمع.
وشدد زايد على أن العلاقة بين الدين والثقافة هي علاقة تكامل وليس تعارض، مؤكدًا أن الإسلام هو دين العلم والثقافة والفنون ويدعو إلى العمل والإبداع وعمارة الأرض. كما أشار إلى أن اختزال الدين في إطار العبادات فقط أسهم في ترسيخ مفاهيم خاطئة استغلتها بعض التيارات المتطرفة.
وأضاف زايد أن الرسالات السماوية تدعو إلى الجمع بين العبادة والعمل، مشيرًا إلى أن الدين يمنح الإنسان طاقة روحية تدفعه للإنتاج والابتكار والمشاركة الإيجابية في المجتمع بعيدًا عن الانغلاق أو الانسحاب من الحياة.
وأكد زايد أن نهضة المجتمعات لا تتحقق إلا بالشراكة بين المؤسسات وتكامل أدوارها، مشيدًا بمنهج الأزهر الشريف ودار الإفتاء في ترسيخ الفكر الوسطي ودعم الإبداع وتنمية مواهب النشء باعتبارها أحد مسارات بناء الإنسان.
العلاقة بين الدين والثقافة: تكامل وليس تعارض
ومن جانبه، أكد الدكتور نظير عياد أن العلاقة بين الدين والثقافة هي علاقة تكامل وليست تعارضًا، مشددًا على أن بناء الوعي الرشيد وتحقيق التنمية يبدأ من ترسيخ هذا التكامل. وأوضح عياد أن النظرة التي تفصل بين الدين والثقافة لا تعبر عن حقيقة الدين ولا عن طبيعة الثقافة.
وأشار د. عياد إلى أن المثقف الحقيقي لا يكتمل تكوينه إلا بإدراك أبعاد الدين وفهم نصوصه. كما أن عالم الدين لا يستطيع أداء رسالته دون الإلمام بعلوم متعددة مثل اللغة والمنطق والفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والطب، بما يمكنه من فهم الواقع وتنزيل الأحكام على الوقائع بصورة صحيحة.
وأكد عياد أن المفتي لا يصدر الفتوى بمعزل عن الواقع وإنما يراعي أبعاد الزمان والمكان والظروف الاجتماعية والنفسية للمستفتي. كما أوضح أن القضايا المستجدة مثل جراحات التجميل والتبرع بالأعضاء والتلقيح المجهري تستلزم الرجوع إلى المتخصصين قبل بيان الحكم الشرعي، انطلاقًا من مبدأ التكامل بين العلوم.
وشدد عياد على أن العالم يشهد تحولات متسارعة تفرض على المؤسسات الدينية مواكبة التطور التكنولوجي. وأوضح أنه لم يعد الهدف البحث عن المفتي فقط بل توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لمعاونة المفتي في أداء رسالته مع بقاء إصدار الفتوى مسئولية العالم المتخصص الذي يراعي ظروف الواقعة وأبعادها المختلفة.
كما أشار إلى جهود دار الإفتاء المصرية في تطوير تطبيق ذكي يعتمد على تراثها العلمي وقواعد بياناتها الضخمة من الفتاوى الموثقة، بالإضافة إلى تنفيذ برامج تدريبية لتأهيل المفتين على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يسهم في سرعة الوصول إلى المعلومات ودقة تصنيف القضايا مع خضوع جميع المخرجات للمراجعة البشرية.
وأكد مفتي الجمهورية أن دار الإفتاء لم تعد تقتصر على إصدار الفتاوى فقط بل أصبحت مؤسسة علمية ومجتمعية متكاملة تضم مراكز متخصصة للإرشاد الأسري ومواجهة التطرف وتدريب المفتين وترجمة المحتوى الشرعي إلى عدة لغات، مما يعزز دورها في نشر الفكر الوسطي داخل مصر وخارجها.
الإسكندرية نموذج للتسامح والتعددية
وفي سياق متصل، شدد المهندس أيمن عطية على أن المدينة تمثل منذ أكثر من 2300 عام نموذجًا فريدًا للتسامح والتعددية حيث تشكلت شخصيتها الحضارية من تفاعل الثقافات والحضارات المختلفة. وظلت منارة للعلم والثقافة ليس فقط في مصر وإنما في المنطقة بأسرها.
وأضاف م. عطية أنه عبر تاريخها نجحت الإسكندرية في المزج بين البعد الديني والثقافي إذ تحتضن عددًا كبيرًا من أولياء الله الصالحين وشهدت إنشاء أول كنيسة في إفريقيا. قبل أن يعزز الأزهر الشريف عبر تاريخه الممتد قيم الاعتدال والفكر الوسطي ليصبح نموذجًا لشخصية تجمع بين الثقافة والوسطية والانفتاح على العالم.
وعقب انتهاء الندوة تم توقيع اتفاقية تعاون بين مكتبة الإسكندرية ودار الإفتاء المصرية حيث وقعها كل من الدكتور نظير عياد والدكتور أحمد زايد. ثم قاموا بجولة في أجنحة معرض الكتاب.
جدير بالذكر أن الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب تقام خلال الفترة من 6 إلى 20 يوليو 2026 بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب واتحادي الناشرين المصريين والعرب وبرعاية بنك ABC. وتم اختيار المخرج الراحل داوود عبد السيد شخصية المعرض هذا العام تقديرًا لإسهاماته المتميزة في تاريخ السينما المصرية وتكريمًا لمسيرته الإبداعية الممتدة. ويشارك في هذه الدورة حوالي 86 دار نشر مصرية وعربية بالإضافة إلى تقديم 410 فعاليات ثقافية على مدار أيام المعرض بمشاركة أكثر من ألف متحدث من مصر ومختلف دول العالم.

