الأربعاء 15/يوليو/2026 – 09:52 ص.

هناك أماكن لا نسكنها فقط، بل تسكننا. مدن تبقى عالقة في الذاكرة مهما ابتعدنا عنها، ونحملها معنا أينما ذهبنا. ومطروح بالنسبة لأبنائها ليست مجرد مدينة على شاطئ البحر، بل هي جزء من الطفولة والعائلة والذكريات الأولى؛ رائحة البحر عند الغروب، وصوت الأمواج في ليالي الصيف، وحكايات الأصدقاء على الرمال البيضاء.

وحين يكبر الإنسان ويعود إلى مدينته التي أحبها، لا يبحث عن فندق أو شاطئ أو شارع بعينه، بل يبحث عن ذلك الشعور القديم بالألفة والانتماء، عن المكان الذي كان يمنحه الطمأنينة دون مقابل. لذلك يصبح الحنين مؤلمًا حين يشعر المرء أن المدينة التي سكنت قلبه طويلًا لم تعد تشبه الصورة التي احتفظ بها في ذاكرته.

كان الصيف بالنسبة لأبناء مطروح موعدًا للفرح وموسمًا للحياة وأيامًا ينتظرها الجميع بشغف. كانت المدينة تستقبل ضيوفها بابتسامة، ويستمتع أهلها ببحرها وشواطئها وأمسياتها الهادئة دون أن يشعر أحد بأن مدينته قد سُلبت منه.

اليوم تغير المشهد تمامًا. أصبح كثير من أبناء مطروح لا يحبون الصيف، بل ينتظرون نهايته حتى تعود إليهم مدينتهم من جديد. والغريب أن كثيرًا من أبنائها الذين يعيشون خارجها لظروف عملهم – وأنا واحد منهم – اعتادوا قضاء إجازاتهم فيها بدأوا يغيرون مواعيد الزيارة إلى الخريف أو الشتاء هربًا من الزحام وارتفاع الأسعار.

قبل سنوات، كان من حق أي مواطن أن ينزل إلى البحر في مطروح دون أن يشعر أنه يدخل إلى نادٍ خاص أو منتجع مغلق. كنت أحمل شمسيتى الخاصة، أو أذهب وقت الغروب بملابس البحر والمنشفة فقط، وأجلس أمام البحر كما أشاء دون أن يلاحقني أحد ليطلب تذكرة دخول أو يفرض علي استئجار شمسية أو كراسي لا أحتاج إليها.

هذا هو حق المواطن في مدينته. أنا لا أطالب بإلغاء الشواطئ الاستثمارية، فهي جزء من التنمية السياحية، لكن لابد أن تظل هناك شواطئ مجانية حقيقية مفتوحة للجميع، لا يسيطر عليها أحد ولا يشعر فيها المواطن بأنه يدفع ثمن رؤية البحر.

مطروح التي أعرفها كانت مدينة يعيش فيها البحر مع الناس، لا بحرًا تحيطه البوابات والحواجز والرسوم. كانت المدينة تستقبل ضيوفها دون أن يفقد أهلها حقهم فيها.

وأعترف بأنني لم أزر مطروح في الصيف منذ سنوات طويلة. ليس لأنني لم أعد أحبها، بل لأنني لم أعد أعرفها. الزحام الخانق وتكدس الشواطئ وصعوبة الحركة كلها جعلتني أؤجل زيارتي إلى الشتاء والخريف. لكنني مثل غيري من أبناء مطروح أتابع كل ما يحدث فيها خلال الصيف وأشعر بالحزن كلما رأيت المدينة التي تربينا فيها تتحول إلى مكان لا يشعر أبناؤه أنهم أصحاب الدار.

لسنا ضد السياحة، بل نريد سياحة ناجحة ومستدامة تحفظ حق السائح في الاستمتاع وتحفظ قبل ذلك حق ابن مطروح في أن يشعر بأن مدينته ما زالت مدينته وأن البحر الذي نشأ على شاطئه لم يعد بعيدًا عنه بحاجز أو تذكرة أو قرار.

المشكلة ليست في كثرة الزائرين؛ فمطروح كانت وستظل مدينة ترحب بضيوفها والسياحة هي شريان حياة اقتصادها. لكن الأزمة الحقيقية تكمن في العشوائية التي صاحبت هذا الزحف البشري الكبير دون استعدادات توازن حجمه.

شواطئ كانت مفتوحة للجميع أصبحت رسوم دخولها فوق قدرة كثير من الأسر. وشوارع المدينة لم تعد تتحمل هذا الكم الهائل من سيارات الضيوف. أما المرافق العامة فأصبح الضغط عليها يمثل مشكلة يشعر بها المواطن والزائر معًا.

وللأسف بدأت العلاقة بين السائح وأهالي مطروح تتأثر؛ فالسائح يشكو من الزحام وارتفاع الأسعار وضعف الخدمات بينما يشعر المواطن بأن مدينته أصبحت خارج سيطرته خلال أشهر الصيف وأنه فقد حقه الطبيعي في الاستمتاع بها.

مطروح لا تحتاج إلى تقليل أعداد زائريها، بل تحتاج إلى إدارة احترافية للموسم السياحي وتنظيم حقيقي للشواطئ وتوسيع المرافق وتحسين شبكة الطرق ووضع ضوابط للأسعار وخلق شواطئ وخدمات جديدة تستوعب الأعداد المتزايدة.

إن نجاح أي مدينة سياحية لا يقاس بعدد الوافدين إليها فقط وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة: أن يستمتع السائح بإجازته وأن يظل المواطن سعيدًا بالعيش في مدينته.

مطروح تستحق أن تستعيد روحها وأن يعود الصيف كما كان مصدرًا للبهجة لا موسمًا للمعاناة. فحين ينتظر أهل المدينة انتهاء الصيف حتى تعود إليهم مدينتهم فهذه ليست مشكلة موسم… بل رسالة تستحق أن نتوقف أمامها.

إن نجاح أي مدينة سياحية لا يقاس بعدد الوافدين إليها فقط وإنما بقدرتها على تحقيق معادلة صعبة: أن يستمتع السائح بإجازته وأن يظل المواطن سعيدًا بالعيش في مدينته.

مطروح تستحق أن تستعيد روحها. سيظل البحر هناك بنفس زرقة الماء وصفاء الأفق وستظل مطروح جميلة كما خلقها الله لكن جمال المدن لا يُقاس فقط بما تملكه من شواطئ ومناظر خلابة بل بما تمنحه لأبنائها من إحساس بالانتماء والدفء.

نحلم بمطروح التي تتسع للجميع؛ للسائح الذي جاء يبحث عن الراحة والجمال ولابن المدينة الذي يريد أن يجلس أمام البحر فيشعر أنه ما زال يعرف الطريق إلى روحه. نحلم بمدينة لا يضطر أبناؤها إلى انتظار الخريف كي يستعيدوها ولا يشعر فيها أحد بأنه غريب في المكان الذي شهد خطواته الأولى.

فبعض المدن لا نملكها بشهادة الميلاد فقط بل نملكها بالحب ومطروح ستبقى دائمًا تلك المدينة التي تسكن القلب حتى وإن ظل القلب يحلم بأن تعود إليه كما كانت.