منذ أكثر من عشرين عاماً، يتناول كل وزير يتولى حقيبة وزارة الصناعة ثلاثة موضوعات أساسية بشكل متكرر، ويُصدر قراراً معيناً كما لو كان الوزراء المتعاقبون يتوارثون هذا النهج. الموضوعات الثلاثة التي يتم الحديث عنها هي: المصانع المتعثرة، القيمة المضافة، والصناعة كقاطرة للتنمية. أما القرار الذي يسعى الوزراء إلى اتخاذه فهو طرح رخص جديدة للمستثمرين لإنتاج حديد التسليح والبليت أو المكورات أو الحديد الإسفنجي.
يتكرر طرح الرخص الجديدة للحديد مع كل وزير جديد رغم أن عددًا لا بأس به من الوزراء الذين تولوا المنصب لم يتحركوا أمام تراجع صادرات مصر من حديد التسليح أو المسطحات المدرفلة على الساخن أو البارد، والتي تتعرض لعقوبات حمائية في أوروبا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية. وقد لا يتحرك لهم ساكناً أيضاً وهم يرون الركود والانكماش الحاد في المصانع المصرية بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج. ولكن هذا ليس محور قضيتنا، بل سأطرح ثلاثة أسئلة على الحكومة ومن يعنيهم الأمر. قبل ذلك، يجب أن نذكر بعض ملامح هذه الصناعة العتيقة التي وصفها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأنها العمود الفقري للاقتصاد الأمريكي، حيث وفرت نحو 520 مليار دولار للناتج الاقتصادي الأمريكي وخلقت أكثر من مليوني وظيفة وسددت 56 مليار دولار كضرائب.
يمكننا الجزم بأن صناعة الصلب تعد أساس الحضارة والتنمية في جميع المجتمعات، وهي مكون رئيسي في أي استراتيجية للنمو الاقتصادي سواء في البلدان المتقدمة أو الناشئة. تدخل الحكومات لحماية هذه الصناعة ليس ترفاً بل لضمان التنمية الاقتصادية الشاملة المستدامة.
عند النظر إلى اقتصادات الدول الصناعية الكبرى نجد ارتباطًا وثيقًا بين الناتج المحلي الإجمالي وإنتاج الصلب بكافة قطاعاته. يظهر ذلك بوضوح في الصين، أكبر منتج للصلب في العالم بقدرات إنتاجية تتجاوز المليار طن سنوياً، حيث تنتج شركة “باوو” وحدها أكثر من 76 مليون طن سنوياً. الهند تأتي في المرتبة الثانية بإنتاج قدره 149.4 مليون طن في عام 2024 ولديها شركتان من أكبر عشر شركات منتجة للصلب وهما آرسيلور ميتال وتاتا.
وفي اليابان التي تحتل المركز الثالث بقدرات إنتاجية بلغت 84 مليون طن في عام 2024، وكذلك الولايات المتحدة الأمريكية التي تحتل المركز الرابع. هناك أيضًا عمالقة آخرون مثل روسيا وكوريا الجنوبية وتركيا والبرازيل. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، تعتبر صناعة الصلب حجر الزاوية للاقتصاد الأوروبي بشكل عام حيث لجأ الاتحاد مؤخرًا إلى نظام الحصص الكمية بهدف الحد من واردات الصلب القادمة إلى أسواقه بالإضافة إلى فرض ضريبة كربونية.
تلعب مصانع الصلب المصرية دورًا كبيرًا في الناتج المحلي الإجمالي. وعلى مستوى الدول العربية نجد ارتباطًا وثيقًا بين صناعة الصلب والنمو الملحوظ الذي تحقق في دول مثل مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والمغرب والكويت وسلطنة عمان. وبالنسبة لمصر يمكن القول وبكل وضوح أنه لولا صناعة الصلب المصرية وصناعها لما تحقق هذا التقدم الواضح والملموس على مدار العقدين الماضيين.
نعود الآن لطرح الأسئلة الثلاثة على الحكومة ومن يعنيهم الأمر كما ذكرنا سابقًا، والأسئلة تتعلق بالرخص الجديدة للبليت التي طرحتها هيئة التنمية الصناعية التابعة لوزارة الصناعة.
السؤال الأول: هل توقيت طرح الرخص الجديدة مناسب؟
قبل الشروع بالإجابة على هذا السؤال نذكر أن الولايات المتحدة الأمريكية وهي الدولة الأكبر اقتصاديًا قد شنت مؤخرًا هجومًا حادًا على الصين بسبب فائض إنتاج الصلب لديها والذي اعتبرته تهديداً لصناعتها المحلية. وقد أشار تقرير معهد الحديد والصلب الأمريكي إلى أن فائض إنتاج الصين سيصل بحلول عام 2028 إلى 745 مليون طن متري بعد أن كان 640 مليون طن متري العام الماضي.
كما أوضح التقرير أن الحكومة الصينية تدعم صناعتها بقوة مما أدى إلى وجود فائض كبير لم يستطع الطلب المحلي استيعابه. وأشار التقرير أيضًا إلى أن التدخل الحكومي المكثف هو المشكلة الأساسية التي تؤثر سلباً على صناعة الصلب العالمية.
بالنظر إلى السوق المحلي المصري نجد أنه يعاني من ضعف الحماية الحكومية بينما تتنافس دول العالم على حماية صناعاتها المحلية من الواردات المغرقة. فعلى سبيل المثال فرضت الولايات المتحدة رسوم إغراق تصل إلى 25% على واردات الصلب ثم حافظت الإدارة الحالية على هذه الرسوم ورفعتها لاحقاً.
في مصر كانت الحكومة لفترة طويلة لا تفرض أي رسوم جمركية ملائمة على البيليت المستورد مما جعل السوق المصري واحداً من أضعف الأسواق لتصريف مخزونات الدول الكبرى المنتجة للبيليت وحديد التسليح مثل الصين وروسيا وتركيا وأوكرانيا.
نعم قامت الحكومة بفرض رسوم حمائية مؤخرًا ولكن يجب تمديد هذه الرسوم لفترة أطول لحماية صناعة الصلب الوطنية والتي تحتاج لرعاية واهتمام خاصين.
السؤال الثاني: لماذا فشلت الرخص السابقة؟
في عهد وزير الصناعة السابق تم منح رخصتين لتصنيع البيليت لشركتين كبيرتين، ولكن بسبب ارتفاع التكاليف الاستثمارية المرتبطة بالرخصتين تم التراجع عن تنفيذ المشروع مما أثر سلباً على الإنتاج المحلي.
السؤال الثالث: هل هناك مستثمرون مصريون قادرون على تنفيذ هذه المشروعات؟
تشير الأوضاع الراهنة إلى أن هناك صعوبة كبيرة أمام المستثمرين المحليين لتنفيذ مشروعات جديدة بسبب الارتفاع الكبير في تكاليف التشغيل والإنتاج مما يجعل الاعتماد الأكبر على المستثمرين الأجانب ضرورة ملحة.
ختاماً، السوق المصري بحاجة ماسة لمشروعات جديدة لكن يجب دراسة الأولويات بعناية لضمان تحقيق نمو اقتصادي مستدام.

