يعتزم مجلس السلام، الذي يترأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إقامة منطقة “نموذجية” في جنوب قطاع غزة، تهدف لاستيعاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين داخل منطقة تخضع لسيطرة قوات الاحتلال الإسرائيلي بشكل كامل.

ووفقًا لصحيفة “فايننشال تايمز”، يأتي هذا المقترح المثير للجدل بعد أشهر من المحاولات التي اعتبرت عقيمة لدفع خطة مدعومة من أمريكا لإعادة إعمار القطاع المدمر، والذي تحول إلى أطلال منذ أن أدى وقف إطلاق نار هش في أكتوبر الماضي إلى إنهاء أسوأ معارك القتال بين إسرائيل وحماس.

تواصل إسرائيل احتلال أكثر من نصف أراضي غزة حاليًا، حيث تقوم بشكل روتيني بتجريف المباني وبناء ساتر ترابي يمتد لمسافات طويلة لفصل مناطق القطاع، بينما يعيش غالبية السكان البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة تحت سيطرة حماس.

أبعاد المنطقة الإنسانية في رفح

تردد خطة مجلس السلام الرامية لإنشاء “منطقة إنسانية ومنطقة للحكم” في مدينة رفح صدى فكرة طالما دفع بها مسؤولون في إسرائيل وأمريكا لتوجيه المدنيين الفلسطينيين الذين تم تدقيق أسمائهم إلى مواقع خاضعة للسيطرة تحت إشراف عسكري إسرائيلي.

هذا النموذج نددت به الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية سابقًا

في وقت تعثرت فيه المحادثات الأوسع لدفع خطة سلام غزة، رفضت حركة حماس نزع سلاحها كشرط مسبق لإعادة الإعمار، كما لم تتحقق المليارات من الأموال الدولية التي تعهد بها مجلس السلام.

لم يتم حتى الآن تشكيل قوة حفظ سلام متعددة الجنسيات متوقعة للقطاع، والتي تعرف باسم قوة الاستقرار الدولية، كما لم تدخل لجنة من التكنوقراط الفلسطينيين لتولي مقاليد الإدارة.

في المقابل، تواصل إسرائيل شن غارات جوية استهدفت ما تزعم أنهم مسلحون، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1000 شخص منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، وشمل ذلك أكثر من 250 طفلًا حتى شهر يونيو وفق بيانات منظمة “اليونيسف”.

فرض وقائع جديدة وتقسيم غزة

أعلن مجلس السلام أن خطة المواقع النموذجية ستمضي قدماً بغض النظر عن حالة المفاوضات الأوسع مع حماس، مع إمكانية توسيع نطاقها لتشمل مناطق مستقبلية.

ونقلت “فايننشال تايمز” عن شخصين مطلعين أن خطط البرنامج النموذجي لا تبشر بتقدم حقيقي، حيث وصف أحدهما المحاولات بأنها تعبير عن حالة يأس لإظهار أي نتائج على الأرض.

يرى أمجد عراقي، المحلل البارز في مجموعة الأزمات الدولية، أن هذا المشروع إذا تحقق فإنه سيعمل على تكريس تقسيم غزة، محذراً من أن الخطة تمثل محاولة من أمريكا وإسرائيل لفرض وقائع جديدة على الأرض عبر ترتيبات سياسية وأمنية ضيقة لإعادة تشكيل غزة وفق صورة يفضلونها.

في المقابل، صرح مسؤول في مجلس السلام بأن المشروع مخصص للفلسطينيين ومن إعدادهم، وسيديره تكنوقراط فلسطينيون، مشيرًا إلى وصول معدات وأفراد إضافيين من قوة الاستقرار الدولية مع وجود دعم دولي في الأيام الأخيرة.

السيطرة العسكرية والساتر الترابي

في مايو الماضي، أصدر رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أوامر لجيش الاحتلال بزيادة سيطرته لتصل إلى 70% من مساحة غزة، حيث توغلت القوات بشكل أكبر منذ وقف إطلاق النار رغم أن الاتفاق دعا لانسحاب مستقبلي.

واتخذت إسرائيل خطوات لترسيخ سيطرتها عبر بناء ساتر ترابي على طول الخط الأصفر الذي يقسم غزة لشطرين؛ وهو الحاجز الذي أدى لتعميق المخاوف من التقسيم الدائم.

يصف فلسطيني يقطن في مخيم المواصي قائلاً إن الإسرائيليين بدأوا حفر الخنادق قبل 10 أيام ثم استخدموا الأتربة لبناء الساتر الذي يمكن رؤيته على بعد مئات الأمتار.

تأتي هذه التطورات بعد حرب شنتها إسرائيل عقب هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي أسفر عن مقتل 1200 شخص وأسر 250 إسرائيليًا بينما استشهد أكثر من 72 ألف شخص في غزة على مدار عامين من الحرب مع تدمير معظم القطاع.

مخاوف التهجير

تخضع محافظة رفح للسيطرة الإسرائيلية منذ مايو 2024؛ حيث قام جيش الاحتلال بتسوية المدينة بالأرض وإفراغها من سكانها بينما تعمل في المنطقة ميليشيا محلية مسلحة بدعم إسرائيلي.

ورغم تأكيد مجلس السلام أنه لن يتم إجبار أحد على مغادرة غزة، يشير عراقي إلى توجس الفلسطينيين من الانتقال لتلك المنطقة لغياب الضمانات ولأنهم سيقعون تحت سيطرة الميليشيات أو جيش الاحتلال الإسرائيلي مما يجعلها مخيمات انتقالية تمهد لطرد محتمل.

ناقشت اجتماعات مركز التنسيق المدني العسكري بقيادة القوات الأمريكية هذه الخطط مرارًا.

مستقبل قوة الاستقرار الدولية

أوضح مجلس السلام أن الأمن في المنطقة المقترحة ستتولاه قوة الاستقرار الدولية التي لم يكتمل طاقمها بعد؛ معلناً انضمام المغرب رسميًا للقوة ووصول ضباط مغاربة للمقر الرئيسي بالإضافة لانضمام جنود من كوسوفو هذا الشهر وفق صور تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي.

وأشار أمجد عراقي إلى أن جيش الاحتلال الإسرائيلي سيظل السلطة الأساسية بغض النظر عن مكان المشاريع حيث يتحكم في الدخول والخروج والعمليات العسكرية مؤكدًا أن قوة الاستقرار الدولية لا تملك السلطة أو الشرعية لدفع عجلة وقف إطلاق نار حقيقي وذو مغزى في ظل الهيمنة العسكرية الإسرائيلية القائمة على الأرض.