بين شروط الاستقرار الدبلوماسي ولغة الردع..

في خطوة عملية جديدة تعكس الانتقال من مقاربة الانتظار والشجب إلى صناعة البدائل والتحرك الاستباقي، شهدت الجامعة العربية أمس تحركات دبلوماسية لصياغة تفاهمات مشتركة مع القوى الدولية الكبرى للتعامل مع الملفات الساخنة من جهة، وإطلاق تحذيرات حازمة للتصدي للتدخلات الخارجية والاعتداءات التي تمس سيادة الدول الأعضاء من جهة أخرى.

استقبل الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، بمقر الأمانة العامة، مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية.

تكتسب هذه المباحثات رفيعة المستوى أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيتها؛ حيث تأتي عقب حراك دبلوماسي عربي مكثف قاده فهمي مع وزراء خارجية دول الخليج والسودان لبلورة جبهة صد موحدة ضد مهددات السيادة الإقليمية. كما أنها تمثل ترجمة فورية لعقيدة العمل الجديدة التي دشنها الأمين العام عقب توليه مهامه، والتي تقوم على تفويض الحركة والمبادرة لحماية المصالح العربية.

استمع الأمين العام إلى عرض مفصل قدمه المستشار الأمريكي حول تقديرات واشنطن وطروحاتها للتعامل مع ملفات المنطقة، حيث أعرب بولس عن تقدير الإدارة الأمريكية للدور المحوري الذي تضطلع به الجامعة كلاعب رئيسي في جهود التهدئة والتسوية السياسية.

حدد نبيل فهمي محددات حاسمة للملف الليبي، مؤكداً دعم الجامعة الكامل لاستكمال المسار السياسي بقيادة وملكية ليبية خالصة تفضي إلى توحيد المؤسسات الوطنية وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب فرصة. وجدد فهمي لغة الحسم الدبلوماسي بالتشديد على خروج كافة القوات الأجنبية والمرتزقة ورفض أي تدخل خارجي، وهي الرؤية التي تتقاطع مع ثوابته المعلنة سابقاً بأن الجامعة لن تقف في مقاعد المتفرجين بعد الآن، بل ستتحرك لحفظ الأمن الجماعي.

لم يغب صدى تصريحات الأمين العام السابقة حول الشأن السوداني – والتي وصف فيها الوضع هناك بالمأساوي وغير المقبول إنسانياً وعربياً – عن طاولة المفاوضات مع الجانب الأمريكي. وجدد فهمي موقف الجامعة الثابت بالدعوة إلى الوقف الفوري لإطلاق النار، وتغليب صوت الحكمة، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق لحماية المدنيين.

أهمية مأسسة التنسيق والعمل المشترك بين الأمانة العامة والجانب الأمريكي

اتفق الجانبان في ختام اللقاء على أهمية مأسسة التنسيق والعمل المشترك بين الأمانة العامة والجانب الأمريكي، وتبادل التقديرات بصفة دورية لدفع الحلول السياسية في ليبيا وإنهاء الحرب الدائرة في السودان منذ أكثر من ثلاث سنوات.

هذا التنسيق الرفيع مع واشنطن، والذي يأتي في أعقاب مباحثات مماثلة أجرتها الجامعة مع وفود دولية أخرى كالصين وروسيا، يبرهن على نجاح المقاربة الاستراتيجية التي تتبناها الجامعة حالياً في إدارة علاقاتها الدولية؛ إذ تتحرك بمرونة وانفتاح كاملين على كافة القوى العظمى تحت شعار التفاعل الإيجابي المشترك، مع الحفاظ الصارم على استقلالية القرار العربي والانحياز المطلق للمصلحة القومية العليا.

وبالتزامن مع هذه الجهود التسوية، أطلق نبيل فهمي تحذيراً حاسماً وصارماً من الخطورة الشديدة التي تنطوي عليها الاعتداءات الإيرانية المتكررة والمتهورة التي استهدفت عدداً من الدول العربية. واعتبرها مسعى مكشوفاً لتوسيع رقعة الصراع والدفع بالمنطقة نحو الاضطراب وعدم الاستقرار.

وأعرب عن الرفض الكامل لهذه العدوانية غير المبررة، مشيراً إلى أن الوتيرة المتصاعدة للهجمات السافرة والمدانة التي شهدتها كل من مملكة البحرين والمملكة الأردنية الهاشمية ودولة قطر ودولة الكويت – والتي طالت بنى تحتية ومرافق حيوية – بالإضافة إلى الاعتداءات المتتالية على إقليم كردستان العراق تعكس نهجاً عدوانياً لا يمكن السكوت عليه أو القبول به وينتهك بشكل صارخ سيادة الدول والقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

وشدد فهمي أن أي اعتداء على أي دولة عربية يعد اعتداءً مباشراً على الأمن القومي العربي ومصالح الأمة مجتمعة. وطالب طهران بالوقف الفوري للتصعيد والكف عن تأجيج التوترات ونشر الفوضى وتهديد أمن الملاحة عبر أذرعها في المنطقة، والعودة إلى المسار التفاوضي والالتزام بالقوانين الدولية.

تضامن جامعة الدول العربية مع الدول الأعضاء

وجدد تضامن جامعة الدول العربية الكامل ووقوفها بجانب الدول الأعضاء في اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بصيانة أمنها واستقرارها وحماية سيادتها المهددة جراء تلك الحسابات الإقليمية الخاطئة والقراءات المغلوطة للواقع.