الجمعة 24/يوليو/2026 – 08:38 م 7/24/2026 8:38:10 PM .

هذا العنوان أعلاه مقطع من الأغنية الرومانسية الخالدة «طير بينا يا قلبى» للموسيقار الكبير محمد فوزى، وكلمات الشاعر الرقيق حسين السيد. ما يحدث هذه الأيام من تصعيدٍ وعلى مدار الساعة في الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران يحمل عنواناً وسؤالاً رئيسياً: رايحين على فين؟! لكن هذا السؤال ليس رومانسياً كما هو الحال في أغنية الموسيقار محمد فوزى، والإجابة عنه بعيدة كل البعد عن الرومانسية والمثالية، إن لم تكن تنطوي على سيناريوهات مخيفة. والسؤال لا يبحث عن عنوان للجولة الحالية من هذا الصراع بقدر ما يسعى لتحديد شكل الشرق الأوسط الذي سيولد من رحم هذه الأزمة. الإجابة هي أنه بامتياز صراعٌ على تحديد من يملك حق رسم قواعد النظام الإقليمي الجديد. والخطأ الأكبر أن نستمر في تحليل وتفسير ما يجري باعتباره مجرد مواجهة حول البرنامج النووي الإيراني، أو رداً على ضربة عسكرية هنا أو هناك. فهذه ليست أزمة منشآت نووية، وإنما أزمة نظام إقليمي بأكمله، لأنه عندما يغيب عن الشرق الأوسط جواب «رايحين على فين؟»، يتحول عدم اليقين من مجرد ضبابية سياسية إلى يقين تام بأن المنطقة تُقاد نحو مجهولٍ مفتوحٍ على كافة السيناريوهات.

منذ نهايات الحرب الباردة، كانت المعادلة الحاكمة لأمن الخليج والشرق الأوسط واضحة ومستقرة: واشنطن هي الضامن الأكبر، وحماية تدفق الطاقة هي المظلة السائدة مقابل استقرار الممرات البحرية وأسواق النفط. اليوم، تقرر طهران أن تكسر هذه القاعدة للمرة الأولى وبشكل مباشر، عبر معادلة جيواستراتيجية جديدة: ربط أمن الطاقة العالمي بأمنها القومي. إيران تدرك قبل غيرها أنها لا تستطيع مجاراة الولايات المتحدة في القوة الجوية أو البحرية، لكنها لا تسعى إلى ذلك أصلاً. لقد انتقلت من محاولة منع الضربة إلى محاولة رفع كلفة الانتصار. لم يعد الهدف إسقاط التفوق العسكري الأمريكي، وإنما تحويل هذا التفوق إلى عبء سياسي واقتصادي واستراتيجي، بحيث تصبح تكلفة استخدام القوة أكبر من عائدها. لهذا، حين يخرج الخطاب الإيراني معلناً أن المعادلة باتت «إما كل شيء أو لا شيء»، وأن الوضع في مضيق هرمز لن يعود لما كان عليه، فنحن أمام استراتيجية للمقاومة تهدف لجعل أي إنزال أو عمل عسكري أمريكي خاطف كابوساً فائق التكلفة.

لكن الخطر الأكبر في تقديري لا يكمن فقط في احتمال اندلاع تلك الحرب الشاملة، بل يكمن في سيناريو أشد قسوة: ولادة نظام ردع جديد يقوم على «عدم الاستقرار الدائم». قد ننزلق إلى مرحلة طويلة الأمد من الاستنزاف والضربات المتبادلة واستهداف البنى التحتية والضغط المستمر على الممرات البحرية، بحيث يصبح «التصعيد» هو الأصل والوضع الطبيعي وتصبح «التهدئة» مجرد استراحة قصيرة بين جولتين. وهو سيناريو ينخر في عظام الاقتصادات ويخنق الاستثمار وينزع الأمان عن المنطقة لعقود دون أن يصل بجميع الأطراف إلى نقطة حسم.

لذلك، السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: هل تجتاح واشنطن طهران؟ أو هل تغلق إيران مضيق هرمز؟ السؤال الفعلي الذي يضعنا المشهد أمامه هو: هل نعيش اللحظات الأخيرة لمرحلة تاريخية كاملة بدأت عقب حرب الخليج الأولى لنستيقظ على مرحلة جديدة تُعاد فيها كتابة أمن الطاقة وقواعد الردع وتوازنات النفوذ في الشرق الأوسط بأكمله؟!

رحم الله الشاعر حسين السيد والموسيقار محمد فوزى. فقد كانت «رايحين على فين؟» لديهما محض حيرة بين قلبين، بينما هي لدينا اليوم تساؤل بين خيارين كلاهما أكثر مرارة من الآخر.