إبراهيم سالم محمدين وأحمد عز..
قد يكون أقسى أنواع الظلم أن يُختزل تاريخ رجل في أكثر سنوات حياته اضطرابًا، وأن تُمحى عقود من البناء لأن الجدل كان أكثر صخبًا من الإنجاز.
متلازمة منتصف القصة
هناك قصص في التاريخ الاقتصادي المصري تحولت مع مرور الوقت إلى روايات مبسطة للغاية، رغم أن حقيقتها أكثر تعقيدًا وثراءً. ومن بين هذه القصص، قصة شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب “الدخيلة”، التي أصبحت في الوعي العام مرتبطة بأسماء وصراعات سياسية واقتصادية معينة، بينما تراجع إلى الخلف تاريخ طويل من التأسيس والبناء والعمل المؤسسي.
وأنا أكتب هذا المقال، أُدرك أنني لا أكتب من موقع المراقب المحايد تمامًا، فأنا حفيد المهندس إبراهيم سالم محمدين. لكنني أكتب أيضًا من موقع الباحث الذي يزعجه أن تتحول الذاكرة الوطنية إلى أرشيف انتقائي نحفظ منه الفصل الأخير، وننسى المقدمة ولب الرواية.
الذاكرة الانتقائية أخطر من النسيان. النسيان يمحو، أما الانتقائية فتشوّه. وعندما نبدأ قراءة أي قصة من منتصفها، فإننا غالبًا ما نصل إلى حكم غير مكتمل، وربما غير عادل.
من هو إبراهيم سالم محمدين قبل “الدخيلة”؟
قبل أن يرتبط اسمه بملف قضائي أو جدل إعلامي، كان اسم إبراهيم سالم محمدين مرتبطًا بالمصانع وخطوط الإنتاج. أمضى الرجل عقودًا طويلة في قلب الصناعة المصرية، بدءًا من المواقع التنفيذية الأولى وصولًا إلى قيادة مشروعات صناعية استراتيجية. وكان ينتمي إلى جيل آمن بأن التصنيع ليس نشاطًا اقتصاديًا فحسب، بل مشروعًا وطنيًا يرتبط بقدرة الدولة على الإنتاج والاستقلال والتنمية.
لم يكن رجل أعمال يبحث عن تعظيم استثماراته الخاصة، بل كان ابن مدرسة الإدارة الصناعية التي نشأت داخل مؤسسات الدولة المصرية. مدرسة اعتبرت أن بناء المصنع لا ينفصل عن بناء الإنسان الذي يديره ويشغله.
ولهذا ارتبط اسمه بتدريب الكوادر الفنية ونقل الخبرات والتوسع في الاعتماد على المهندسين والفنيين المصريين في تشغيل الصناعات المعقدة.
أثر يتجاوز الدخيلة
قد يكون من الظلم اختزال سيرة إبراهيم سالم محمدين في مشروع الدخيلة وحده، لأن أثره امتد إلى ما هو أبعد من شركة واحدة.
فالرجل كان جزءًا من جيل ساهم في ترسيخ مفهوم الصناعة الثقيلة كأحد أعمدة التنمية الاقتصادية المصرية. وخلال مسيرته شارك في إدارة وتطوير مؤسسات صناعية كبرى، وأسهم في إعداد كوادر أصبحت لاحقًا جزءًا من القيادات الفنية والإدارية في قطاع الصناعة.
إن إرث القيادات الصناعية لا يقاس فقط بعدد المصانع التي أُنشئت أو بحجم الإنتاج الذي تحقق، بل أيضًا بقدرتها على بناء مؤسسات تستمر بعد رحيل أصحابها. ومن هذه الزاوية، فإن الإرث الحقيقي لمحمدين لا يتمثل فقط في منشآت قائمة، بل في خبرة مؤسسية وإنسانية امتدت لأجيال لاحقة.
من أين بدأت قصة الدخيلة حقًا؟
حين تأسست شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب “الدخيلة” عام 1982، لم تكن مشروعًا تقليديًا. كانت مشروعًا استراتيجيًا استهدف تقليص الفجوة بين احتياجات السوق المصرية من الحديد والصلب وبين الطاقة الإنتاجية المتاحة محليًا. واعتمد المشروع على شراكة ضمت مؤسسات مصرية وشركاء دوليين وهيئات تمويل وتنمية.
وخلال سنوات تشغيله الأولى، أصبح المشروع واحدًا من أكبر مشروعات الصلب في المنطقة، معتمدًا على تكنولوجيا الاختزال المباشر باستخدام الغاز الطبيعي، وهي تقنية كانت تمثل آنذاك أحد أكثر الأساليب تطورًا في صناعة الحديد والصلب.
ماذا تقول الوثائق الدولية؟
بعيدًا عن السجالات السياسية والخصومات التي جاءت لاحقًا، تبقى الوثائق الدولية المنشورة واحدة من أكثر الوسائل موضوعية لفهم حقيقة وضع شركة الدخيلة في نهاية التسعينيات.
ففي تقرير تقييم مشروع الدخيلة، سجل البنك الدولي أن الشركة حققت أداءً إنتاجيًا ممتازًا رغم التحديات التي واجهتها أسواق حديد التسليح الدولية. كما انتهى التقرير إلى أن نتائج المشروع كانت مرضية وأن استدامته كانت مرجحة.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها لا تصدر عن إدارة الشركة أو مساهميها أو خصومها، وإنما عن مؤسسة دولية تابعت المشروع منذ مراحل تنفيذه الأولى.
أما الوثيقة الثانية فجاءت من شركة Kobe Steel اليابانية، إحدى أكبر الشركات العالمية المتخصصة في تكنولوجيا الحديد والصلب. ففي 12 فبراير 1998 أعلنت الشركة حصولها بالاشتراك مع شركة Tomen Corp على عقد جديد بقيمة 105 ملايين دولار لإنشاء وحدة اختزال مباشر بطاقة إنتاجية تبلغ 800 ألف طن سنويًا من الحديد المختزل المباشر.
والأهم من قيمة العقد نفسه هو ما ورد في البيان عن أداء المصنع. فقد أشارت الشركة اليابانية إلى أن الوحدة الأولى كانت تحقق مستويات إنتاج مرتفعة منذ تشغيلها عام 1986 وأن الطلب القوي على الصلب هو الذي دفع الدخيلة إلى إنشاء وحدة ثانية عام 1995 قبل الانتقال إلى تنفيذ الوحدة الثالثة.
كما أوضح البيان أن شركة الدخيلة كانت آنذاك مملوكة بنسبة 65% للحكومة المصرية ومؤسساتها و14% للعاملين المساهمين و10% لشركات يابانية و5% لمؤسسة التمويل الدولية IFC التابعة للبنك الدولي بينما كان المهندس إبراهيم سالم محمدين يشغل منصب رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب للشركة.
لا تعني هذه الوثائق أن الشركة كانت بلا مشاكل أو تحديات فكل مشروع صناعي كبير يواجه أزمات تمويل وأسواق ودورات اقتصادية مختلفة. لكنها تؤكد حقيقة محددة: أن الدخيلة لم تكن مشروعًا غائبًا عن الرؤية الدولية أو مصنعً ا متوقفا ينتظر من يبعث فيه الحياة بل شركة كانت محل متابعة من مؤسسات تمويل عالمية وشركاء صناعيين دوليين في وقت كانت تخطط فيه لمراحل توسع جديدة.
تحذير لم يُسمع: الصدام الأول
هنا تظهر واحدة من أكثر المحطات أهمية في تاريخ الشركة. فبحسب ما نُشر لاحقاً من شهادات ومقابلات صحفية فإن المهندس إبراهيم سالم محمدين لم يكن مؤيداً لمسار دخول مستثمر يمتلك بالفعل مصنعاً لحديد التسليح إلى هيكل ملكية الشركة.
وقد نُقل عنه قوله إن هذا المسار قد يؤدي إلى تعزيز الاحتكار في السوق وإنه لم يكن مرتاحاً للصفقة منذ البداية. وبحسب الرواية التي قدمها فقد تمت مناقشة بدائل تمويل أخرى داخل اللجان المختصة آنذاك قبل أن يتم الاستقرار على مسار مختلف.
<pوبغض النظر عن الموقف تجاه تلك الرواية فإن أهميتها تكمن في أنها تقدم محمدين بوصفه طرفاً متحفظاً على بعض القرارات وليس مجرد شريك صامت فيها. وفي مارس 2000 اختار مغادرة موقعه التنفيذي لتنتهي مرحلة كاملة من تاريخ الدخيلة وتبدأ مرحلة أخرى مختلفة بطبيعتها وهيكلها وأسلوب إدارتها.
<h2التأسيس شيء.. والسيطرة شيء آخر</h2<pربما يكون الخلط بين هاتين النقطتين هو أصل كثيرٍ مما أحاط بالدخيلة من سوء الفهم. فمن غير الدقيق القول إن أحمد عز أنشأ الدخيلة ومن غير الدقيق أيضاً إنكار أن المرحلة اللاحقة شهدت توسعات ونموّاً وتغيرات مؤثرة في هيكل الشركة وموقعها داخل السوق.
الحقيقة التاريخية الأقرب للواقع هي وجود مرحلتين مختلفتين:– المرحلة الأولى: مرحلة التأسيس والبناء المؤسسي والتشغيلي.
– المرحلة الثانية: مرحلة التوسع والاستحواذ وإعادة تشكيل سوق الحديد.
وكل محاولة لابتلاع مرحلة داخل الأخرى تُنتج رواية ناقصة.
</h3.
</h3<h3<سنوات الألم</h3<pبالنسبة لعائلتي لا تقف القصة عند حدود الجدل الاقتصادي أو التاريخي فبعد عام 2011 وجد إبراهيم سالم محمدين نفسه أمام سنوات صعبة مليئة بالتحقيقات والقضايا والتغطيات الإعلامية المتلاحقة.
< ولا أقول ذلك اعتراضاً على مبدأ المساءلة فالمساءلة حق أصيل لأي مجتمع يحترم القانون ولكن ما ظل يؤلمني شخصياً هو أنه رغم كل الإنجازات أصبح صورة رجل ارتبط لعقود بالبناء الصناعي تُختزل أحياناً فقط بسيرته الأخيرة وكأن كل ما سبقها قد اختفى تماماً.
<عاش الرجل سنواته الأخيرة تحت ضغط نفسي وقانوني كبير ثم رحل عام 2018 تاركاً خلفه أسئلة لم تُحسم بعد حتى لو انتهت مساراتها القانونية.
<<h3<أسئلة ما زالت مفتوحة</h3<pبعد أكثر من عقدين على تلك الأحداث ما زالت هناك أسئلة تستحق النقاش:
– لماذا لم تُناقش اعتراضات الإدارة التنفيذية بصورة أوسع حينذاك؟
- – ما الأسباب التي دفعت الدولة لتفضيل مسار معين لزيادة رأس المال؟
- – هل كانت هناك بدائل تمويل أخرى قابلة للتنفيذ؟
- – كيف انتقلت صورة رجل تحفّظ على بعض القرارات لتصبح مرتبطة بها بشكل كامل؟
This questions do not provide any preconceived judgments, but they confirm that the story is more complex than the shortened narrative that has settled in the minds of many.
</li<h3<الذاكرة الوطنية ودورها</h3<pنحن كمجتمعات نميل أحياناً لتبسيط التاريخ بشكل مفرط بحثا عن بطل كامل أو مذنب كامل لكن المؤسسات الكبرى لا يبنيها شخص واحد كما أن التحولات الاقتصادية الكبرى لا تختزل باسم منفرد ولهذا فإن إنصاف إبراهيم سالم محمدين لا يعني اعتباره معصومً امن الخطأ كما ان نقده لا يبرر محو ما انجزه
<الإنصاف ببساطة هو ان يُقرأ الرجل ضمن سياقه الكامل وأن تُراجع تجربته بأكملها وليس اختزالها فقط فيما يتعلق بأكثر فصولها إثارة للجدل
< </li<h3<الخاتمة: لمن نكتب التاريخ؟</h3<pلقد رحل إبراهيم سالم محمدين عام 2018 ولم يعد قادراً على روايته أو الدفاع عن تاريخه أما الوثائق فما زالت موجودة والوقائع قابلة للقراءة والأسئلة مطروحة ولعل الإنصاف الحقيقي لا يكون بإجماع جميع الأطراف حول تقييم رجل واحد بل بمنح التاريخ حقه الكامل ليُروى كما حدث وليس كما اختصرته العناوين
فالامم التي تحترم ذاكرتها لا تبدأ القراءة منذ قاعة المحكمة ولا تنتهي عند حدودها إنها تبدأ منذ الصفحة الأولى.

