تتعدد أسماء كتاب الله الجليل، ولكل اسم منها دلالة وقصة تعكس عظمة هذا الكتاب الخالد. ومن أبرز هذه الأسماء وأكثرها تداولًا بين المسلمين هو اسم المصحف. في السطور التالية، سنتعرف على سبب تسمية القرآن الكريم مصحفًا، ومن هو أول صحابي أطلق اسم المصحف على القرآن الكريم؟
تعريف المصحف
يُطلق لفظ المُصحف في اللّغة العربيَّة على ما يُجمع فيه الصُّحُف، وعادةً ما تُستخدم الصحف للكتابة عليها، وتتكون في الغالب من الجِّلد أو الورق. واللّفظ مأخوذٌ من الفعل أصْحف، ويَصِحُّ قول: مصحف؛ بضمِّ الميم أو كسرها. أما في الاصطلاح الشرعيّ فهو مجموعةٌ من الصحائف التي دوِّن عليها القرآن الكريم بالهيئة التي نزل بها على النبي -صلى الله عليه وسلم- من الوحي جبريل عليه السلام، وتلقَّته الأمة بالقَبول، وهو مرَتَّب الآيات والسور.
الآيات التي ورد فيها لفظ المصحف
ورد لفظ الصحف في القرآن الكريم في عدة مواضع منها:.
قوله تعالى: {كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ *فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ *فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ} [عبس: ١١ – ١٣]، وذلك على أن المراد بها صحف الكَتَبَة من الصحابة رضي الله عنهم، وقوله تعالى: {رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً *فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [البينة: ٢، ٣].
كما أطلق اللفظ علي كتب الله السابقة مما أطلِق عليها هذا الاسم بدلالة قوله تعالى: {وَقَالُوا لَوْلاَ يَاتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَاتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} [طه: ١٣٣]، وقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: ٣٦، ٣٧]، وقوله تعالى: {إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: ١٨، ١٩].
أول من سمى المصحف مصحفًا
ذكر أهل العلم أن للقرآن الكريم أسماء عديدة من جملتها (المصحف) وكان أول من أطلق هذا الاسم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه. قال السيوطي في الإتقان إن ابن أبي شيبة أخرج في كتاب المصاحف من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال إنه عندما جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر التمسوا له اسمًا. فقال بعضهم السفر، وقال بعضهم المصحف؛ فإن الحبشة يسمونه المصحف. وكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسماه بالمصحف.
وورد عن الإمام السيوطي -رحمه الله- نقلًا عن ابن أشتة في كتاب المصاحف قوله “لمّا جمعوا القرآن فكتبوه في الورق قال أبو بكر الصديق التمسوا له اسمًا فقال بعضهم السفر* وقال بعضهم المصحف؛ فإن الحبشة* يسمونه المُصحف. فكان أبو بكر أول من جمع كتاب الله وسمَّاه بالمصحف”.
ويظهر لنا من هذه الرواية أنَّ القرآن الكريم كُتب في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- في صُحفٍ، ولكنها لم تُجمع إلا في زمن أبي بكرٍ الصديق. ولا يُفهم من هذا الكلام أنَّ الصُّحف لم تكن مُرتَّبة حينها؛ فقد كان القرآن مكتوبًا في عهد النبيّ على الجِلَد والرّقاع والأكتاف وغير ذلك. فأراد أبو بكر الصديق أن يكون جمعه للقرآن بغاية الدقة والتثبيت على أن يشتمل على الأحرف السَّبعة* التي نزل بها القرآن الكريم. ومن الخصائص التي تميَّز بها جمع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- الترتيب والدقة وشدّة التحري.
ومما يؤكد أن تسمية القرآن الكريم بالمصحف لم تكن زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لم يثبت عنه أي حديثٍ أو روايةٍ أطلق فيها هذا اللفظ على القرآن. أما الصحابي الجليل أبو بكر الصديق فلم يكن أول من جمع القرآن الكريم وسمّاه بالمصحف فحسب بل كان أول من تولّى الخلافة على المسلمين ووالده على قيد الحياة وهو أول من تولّى إمارة الحج وكان يُفتِي الناس في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم.
الفرق بين القرآن والمصحف
المصحف: لم يرد ذِكْر هذه المفردة في القرآن الكريم ولكن اشتهر تداولها بين المسلمين بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بوصفها اسمًا من أسماء القرآن الكريم.
ولعل اشتهار تداولها يعود إلى شدّة انشغال المسلمين واهتمامهم بعد رحيل الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بكتابة القرآن وتدوينه وجمعه بين دفتيه. والصَّحيفَة هي المبسوط من الشيء كصحيفة الوجه والصَّحيفّة هي التي يكتب فيها وجمعها صَحائِف وصُحُفٌ. قال تعالى:{﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾37 ، ﴿يَتْلُوا صُحُفًا مُّطَهَّرًةً * فِيها كُنُون قَيِّمَهً﴾38 قيل أريد بها القرآن وجعله صحفا فيها كتب بسبب تضمّنه لزيادة ما في كتب الله المتقدمة والمصحف هو ما جعل جامعاً للصُّحائف المكتوبة وجمعه مَعَالِل.
لماذا سمي المصحف مصحفًا؟
المصحف: هو على وزن مفعل بضم الميم وكسرها وفتحها ويقال للجامع للصحف المكتوبة بين دفتين فهو اسم آلة. قال ابن منظور في اللسان “المصحف والمصحفة الجامع للصحائف المكتوبة بين الدفتين كأنه أصحب” والكسر والفتح فيه لغة.. قال الأزهري “إنما سمي المصحف مصحفاً لأنه أصحب أي جعل جامعاً للصحائف المكتوبة بين الدفتين”.
والله أعلم.

